أحسابهم ، فلا يدخل رجل في غير قومه ، ولا يدعى لغير أبيه .
وأمّا قول الملك : إنّهم يئدون أبناءهم ؛ فإنما يفعله منهم من يفعله بالإناث ؛ أنفة من العار ، وغيرة من الأزواج .
وأمّا قوله : إنّ أفضل طعامهم لحوم الإبل ، فما تركوا ما دونها إلا احتقارا ؛ فعمدوا إلى أجلّها قدرا ، وأغلاها ثمنا ؛ فكانت مراكبهم وطعامهم ؛ مع أنها أكثر البهائم لحوما وشحوما .
وأمّا تحاربهم وترك انقيادهم لرجل يسوسهم ، فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفا ، وتخوّفت نهوض عدوها ، وإنه إنما يكون في بيت الملك واحد يعرفون فضله « 1 » ، فيلقون أمورهم إليه ؛ فأمّا العرب فإنّ ذلك كثير منهم ، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين ، مع أنفتهم من أداء الخراج والعشر وما أشبه « 2 » ذلك .
فعجب كسرى من منطقه ، وكساه من كسوته ، وردّه إلى الحيرة .
ومن ظريف أخبار النعمان ، أنه كان قد حمى ظهر الكوفة وشقائقها - ومن هناك يقال : شقائق النعمان - فانفرد يوما عن عسكره ، فإذا هو بشيخ يخصف نعلا ، فقال : ما أنزلك هاهنا ؟ قال : طرد النّعمان الرّعاء ، فأخذوا يمينا وشمالا ، فانتهيت إلى هذه الوهدة ، فنتجت الإبل ، وولدت الغنم - والنّعمان معتمّ لا يعرف - فقال : أو ما تخاف من النّعمان ! قال : وما أخاف منه ، ولربما سرت يدي هذه بين عانة أمّه وسرّتها ! فلمّا سمع النّعمان قوله ، سفر عن وجهه ، فإذا خرزات الملك تلمع ، فلمّا راه الشيخ ، قال : أبيت اللعن ! لا ترى أنك
هامش
( 1 ) ت : « يعرفون فصله » .
( 2 ) ت : « ونحو ذلك » .