فرجع إليه الرّجل ، فقال الجاحظ : كأنك فضضت الرقعة « 1 » ! قال : نعم ، قال : لا يضرّك ما فيها ؛ فإنه علامة لي إذا أردت العناية بشخص ، فقال الرجل :
قطع اللّه يديك ورجليك ، ولعنك ، فقال : ما هذا ! قال : علامة لي إذا أردت أن أشكر شخصا .
وقال : نزلت على صديق لي فلم آكل عنده لحما ، فعرّضت له فقال : إنّى لا أكثر من اللحم منذ سمعت الحديث : « إنّ اللّه يكره البيت اللحم » .
فقلت : يا أخي ، إنما أراد البيت الذي تؤكل فيه لحوم الناس بالغيبة ؛ فلم يؤخّر حضور اللحم من ذلك اليوم .
وحكى أنّ أبا طاهر ، قال : صرت إلى الجاحظ ومعي جماعة ، وقد أسنّ واعتلّ في آخر عمره ، وهو في منظرة له ، وعنده ابن خاقان جاره ، فقراعنا الباب فلم يفتح لنا ، وأشرف من المنظرة فقال : ألا إني قد حو قلت ، وحملت رميح أبى سعد ، وسقت الغنم « 2 » ، فما تصنعون بي ؟ سلّموا سلام الوداع ، فسلّمنا وانصرفنا .
قوله : « حو قلت » ، أكثرت من قولي : « لا حول ولا قوة إلا باللّه » ؛ لتتابع الأمراض ، وقوله : « رميح أبى سعد » هو رجل من العرب ، أسنّ فاستعان بالعصا ، وهو أوّل من فعل ذلك ، فقيل لكلّ من شاخ : « أخذ رميح أبى سعد » . وقوله : « سقت الغنم » ، هو عند العرب كناية عن الهرم ، لأنّ سائق الغنم يطامن رأسه .
وكان سبب علّة الجاحظ أنه حضر مائدة ابن أبي دواد ، وفي الطعام سمك ولبن ، وكان ابن بختيشوع الطّبيب حاضرا ، فنهاه عن الجمع بينهما ، فقال الجاحظ : إنّ السمك إن كان مضادّا للبن ، فإني إذا أكلتهما دفع كلّ منهما ضرر الآخر ، وإن كانا متساويين فكأنّى أكلت شيئا واحدا . فقال ابن
هامش
( 1 ) ط : « الورقة » .
( 2 ) ت : « الغنز » .