قتل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبقي المنذر بن عمرو « 1 » ؛ فقالوا له : إن شئت أمّناك ، فقال : لن أقبل لكم أمانا ، حتى اتى مقتل حرام ؛ فأمّنوه حتى أتى مصرعه ، ثم برءوا من أمانه ، فقاتلهم حتى قتل .
وأقبل الحارث بن الصّمة وعمرو بن أميّة بالسّرح ، وقد ارتابا بعكوف الطير قريبا من منزلهم ، فجعلا يقولان : قتل واللّه أصحابنا . ثم أوفيا على نشز من الأرض ؛ فإذا أصحابهما مقتولون والخيل واقفة ، فقال الحارث لعمرو : ما ترى ؟
قال : أرى أن ألحق برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأخبره الخبر ، فقال الحارث :
ما كنت لأتأخّر عن موطن قتل فيه المنذر [ بن عمرو ] . فأقبلا فلقيا القوم ، فقاتلهم الحارث حتى قتل منهم اثنين ، ثم أخذوه فأسروه ، وأسروا عمرو بن أميّة .
وقالوا للحارث : ما تحبّ أن نصنع بك ؟ فإنّا لا نحبّ قتلك ، فقال : أبلغوا بي مصرع المنذر وبرئت ذمّتكم . فبلغوا به مصرع الرجل ثم أطلقوه ، فقاتلهم وقتل منهم اثنين ، فشرعوا له الرماح حتى نظموه فيها قتلا . وقال عامر بن الطّفيل لعمرو بن أميّة وهو أسير في أيديهم لم يقاتل : إنّه كانت على أمىّ نسمة ، فأنت حرّ عنها ؛ وجزّ ناصيته .
فلما جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خبر بئر معونة ، جعل يقول : « هذا عمل أبى براء ، قد كنت لهذا كارها » ، ودعا على من قتلهم بعد الصبح في الركعة الثانية من صبح تلك الليلة التي جاءها فيها الخبر ، فلمّا قال : « سمع اللّه من حمده » ، قال : « اللهمّ اشدد وطأتك على مضر ، اللهم عليك ببنى ذكوان وعصيّة ؛ فإنّهم عصوا اللّه ورسوله » ؛ قال ذلك خمس عشرة ليلة ، حتى نزلت الآية :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
« 2 » .
هامش
( 1 ) سيرة ابن هشام : « المنذر بن محمد بن عقبة » .
( 2 ) سورة آل عمران 128