تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
همّ المعاش ، وتفرّد بهمّ آخرته . شعيب بن حرب : كنت إذا نظرت إلى الثوريّ رأيته كأنه رجل في أرض مسبعة خائف الدهر كلّه ، وإذا نظرت إلى عبد العزيز بن أبي روّاد رأيته كأنه يطّلع إلى القيامة من كوّة . الأعمش : كنت إذا رأيت مجاهدا ظننت أنه خربندج « 1 » ضلّ حماره ، وهو مغتمّ يتفكّر في أمر الآخرة . إبراهيم بن بشار : صحبت إبراهيم بن أدهم فرأيته طويل الحزن دائم الفكر واضعا يده على رأسه كأنما أفرغت عليه الهموم إفراغا . عن داود صلوات اللّه عليه قال : إلهي أمرتني أن أطهّر قلبي ووجهي ويديّ ورجليّ ، فبما ذا أطهّر قلبي ؟ قال : يا داود بالهموم والغموم . ليث بن الحكم : الغموم التي تعرض للقلوب كفّارات للذنوب . أبقراط : للقلب آفتان : الغمّ يعرض منه النوم ، والهمّ يعرض منه السّهر ، لأن في الهمّ فكرا بما سيكون والغمّ لا فكر فيه . جالينوس : الهمّ فناء القلب ، والغمّ مرضه . ثم بيّن وقال : الغمّ بما فات ، والهمّ بما هو آت . لم يزل زكريا يرى ولده يحيى عليهما السّلام مغموما باكيا مشغولا بنفسه ، فقال : يا ربّ طلبت منك ولدا أنتفع به ، قال : طلبته وليّا والوليّ لا يكون إلّا هكذا . تزوّج مغنّ نائحة فسمعها تقول : اللهمّ أوسع علينا في الرزق ، فقال : يا هذه إنما الدنيا فرح وحزن ، وقد أخذنا بطرفي ذلك ، إن كان فرح دعوني وإن كان حزن دعوك . نفقت دابّة ( الجنديّ ) « 2 » فقيل له : لا تغتمّ فلعلّه خير ، فقال : لو كان خيرا لكان حيّا وإلى جنبه بغل . سمع حكيم رجلا يقول لآخر : لا أراك اللّه مكروها ، فقال : كأنك دعوت عليّ بالموت ، فإنّ من كان في الحياة فلا بدّ وأن يرى مكروها . قيل :
هامش
( 1 ) قوله : خربندج : أي صاحب حمار ، وهي كلمة فارسية . ( 2 ) نفقت : ماتت . والدابة تطلق على المذكر والمؤنث من الحيوانات ، ولذلك قال بعد ذلك « لكان حيا . . . » على التذكير .