الناس ، والخروج عن ملك الحيوان ، فإنهم يريدون بذلك الحرية من جميع الأكوان .
ولما كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم عبدا محضا « 1 » قد طهره الله تعالى وأهل بيته تطهيرا ، وأذهب عنهم الرجس وهو كل ما يشينهم ، فإن الرجس هو القذر عند العرب ، كذا قال الفراء « 2 » قال الله تعالى :
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
.
فلا يضاف إليهم إلا مطهر ولا بدّ ، فإن المضاف إليهم هو الذي يشبههم ، فما يضيفون لأنفسهم إلا من له حكم الطهارة والتقديس .
فهذه شهادة من النبي صلى اللّه عليه وسلّم لسلمان الفارسي ، رضي الله عنه ، بالطهارة والحفظ الإلهى والعصمة حيث قال فيه رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم :
« سلمان منا أهل البيت » وشهد الله لهم بالتطهير ، وذهاب الرجس عنهم ؟
وإذا كان لا يضاف إليهم إلا مقدس مطهر ، وحصلت له العناية الإلهية بمجرد الإضافة ، فما ظنك بأهل البيت في نفوسهم فهم المطهرون ، بل هم عين الطهارة .
فهذه الآية تدل على أن الله تبارك وتعالى قد شرك أهل البيت مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم في قوله :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
« 3 » .
وأي وسخ وقذر أقذر من الذنوب وأوسخ ؟ فطهر الله تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلّم بالمغفرة مما هو ذنب بالنسبة إلينا لو وقع منه صلى اللّه عليه وسلّم لكان ذنبا في الصورة لا في المعنى ؛ لأن الذم لا يلحق به على ذلك من الله تعالى ولا منا شرعا ، فلو كان حكمه حكم الذنب لصحبه ما يصحب الذنب من المذمة ، ولم يكن يصدق قوله :
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
.
فدخل الشرفاء أولاد فاطمة عليهم السلام كلهم إلى يوم القيامة في حكم هذه الآية من الغفران ، فهم المطهرون باختصاص من الله تعالى ، وعناية بهم لشرف
هامش
( 1 ) المحض : كل شيء خلص حتى لا يشوبه شيء يخالطه . الوجيز ( 573 ) .
( 2 ) يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي ، مولى بنى أسد ، أبو زكريا ، المعروف بالفراء ، إمام الكوفيين ، وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب ، كان يقال : الفراء أمير المؤمنين في النحو .
ولد بالكوفة وانتقل إلى بغداد ، وكان فقيها متكلما ، عالما بأيام العرب وأخبارها . الأعلام ( 8 / 146 ) ، إرشاد الأريب ( 7 / 276 ) ، وفيات الأعيان ( 2 / 228 ) ، تهذيب التهذيب ( 11 / 212 ) .
( 3 ) الفتح : 2 .