من الناس بالمكروه ، فترك أهل النصائح نصائحهم . وأخلّ بذوي الحاجات في حوائجهم ، وقلّت الغاشية لباب صاحبه ، فرارا من لقائه .
الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشّعبيّ ، أن عبد الملك بن مروان قال لأخيه عبد العزيز بن مروان ، حين ولّاه مصر :
إنّ الناس قد أكثروا عليك ، ولعلك لا تحفظ ، فاحفظ عنّي ثلاثا .
قال : قل يا أمير المؤمنين .
قال : انظر من تجعل حاجبك ، ولا تجعله إلّا عاقلا فهما مفهما ، صدوقا لا يورد عليك كذبا ، يحسن الأداء إليك والأداء عنك . ومره ألّا يقف ببابك أحد من الأحرار إلّا أخبرك ، حتى تكون أنت الآذان له أو المانع ؛ فإنه إن لم يفعل كان هو الأمير وأنت الحاجب . وإذا خرجت إلى أصحابك فسلّم عليهم يأنسوا بك . وإذا هممت بعقوبة فتأنّ فيها ؛ فإنّك على استدراكها قبل فوتها أقدر منك على انتزاعها بعد فوتها .
وقال سهل بن هارون للفضل بن سهل :
إنّ الحاجب أحد وجهي الملك ، يعتبر عليه برأفته ، ويلحقه ما كان في غلظته وفظاظته . فاتخذ حاجبك سهل الطبيعة ، معروفا بالرأفة ، مألوفا منه البرّ والرّحمة . وليكن جميل الهيئة حسن البسطة ، ذا قصد في نيّته وصالح أفعاله . ومره فليضع الناس على مراتبهم ، وليأذن لهم في تفاضل منازلهم ، وليعط كلّا بقسطه من وجهه ، ويستعطف قلوب الجميع إليه ، حتى لا يغشى الباب أحد وهو يخاف أن يقصّر به عن مرتبته ، ولا أن يمنع في مدخل أو مجلس أو موضع إذن شيئا يستحقّه ، ولا أن يمنع أحدا مرتبته . وليضع كلّا عندك على منزلته . وتعهّده فإن قصّر مقصّر قام بحسن خلافته وتزيين أمره .
وقال كسرى أنوشروان في كتابه المسمى « شاهيني » :
ينبغي أن يكون صاحب إذن الخاصّة رجلا شريف البيت ، بعيد الهمّة ،
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 571
مساهمون: الجاحظ
ص٥٧١