في نفع المنالة .
أنّه إليّ حالات كلّ من يغشى بابي من وجيه وخامل ، وذي هيئة وأخي رثاثة ، فيما يحضرون له بابي ، ويتعلّقون به من إتياني .
لا تحتقرنّ من تقتحمه العيون لرثاثة ثوب أو لدمامة وجه ، احتقارا يخفى عليّ أثره ، فربّما بذّ مثله بمخبره من يروق العيون منظره .
إنّك إن نقصت الكريم ما يستحقّه من مال لم يغضب بعد أن تستوهبه منه ، وإن نقصته من قدره أسخطته أشدّ الإسخاط ، إذ كان يريد دنياه ليصون بها قدره ، ولا يريد قدره ليبقي به دنياه . فكن لتحيّف عرضه أشدّ توقّيّا منك لتحيّف ماله .
إن المحجوب وإن كان عدلنا في حجابه كعدلنا على المأذون له في إذنه ، يتداخله انكسار إذا حجب ورأى غيره قد أذن له . فاختصّه لذلك من بشاشتك به ، وطلاقتك له ، بما يتحلّل به عنه انكساره . فلعمري لو عرف أنّ صوابنا في حجابه كصوابنا في الإذن لمن نأذن له ، ما احتجنا إلى ما أوصيناك به من اختصاصه بالبشر دون المأذون له .
إن اجتمع الأعلون والأوسطون والأدنون ، فدعوت بواحد منهم دون من يعلوه في القدر ، لأمر لا بدّ من الدعاء به له ، فأظهر العذر في ذلك لئلا تخبث نفس من علاه ؛ فإنّ الناس يتغالب لمثل ذلك عليهم سوء الظّنون .
والواجب على من ساسهم التوقّي على نفسه سوء ظنونهم ، وعليهم تقويم نفوسهم ؛ إذ هو كالرأس يألم لألم الأعضاء ، وهم كالأعضاء يألمون لألم الرأس .
المدائني قال : قال زياد ابن أبيه لحاجبه :
يا عجلان : قد ولّيتك بابي ، وعزلتك عن أربعة : طارق ليل ؛ فشرّ ما جاء به أو خير . ورسول صاحب الثغر ؛ فإنّه إن تأخّر ساعة بطل به ؟ ؟ ؟
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 569
مساهمون: الجاحظ
ص٥٦٩