تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
ثمّ اعلم أنّه لا بدّ لك من الخبر على تأثيم من ترك إكفاره ، بل على إكفار من ترك إكفاره ، إذ كان إنما كفره بردّ المنصوص وما لا يحتمل التأويل ؛ وأمّا أن تجرأ أن تدّعي عليهم من إكفاره خلاف ما ثبتت به الشهادة عنهم وخلاف المعروف من قولهم ، فلو كان كذلك لكا [ ن ] الخبر به مشهورا ولكان معروفا مستفيضا ؛ بل ينبغي أن يكون قد كان ثبت عنده أن وطيا قد كان ، ورأى فيه الشبه والمخايل والاخلاق والشمائل وشبّه له القافة ، وذهب في سبيل الفراسة وتأويل قول عمر وسمع كلام أبي مريم وقوّاه رأي المغيرة فقال : « هو ابن أبي سفيان » ، لم يذهب إلى تثبيت حكم ولكنّه حبل كان عنده من نطفته فكأنه قال : « هو من نطفة أبي سفيان » ، وكان أغلظ أحواله أن يكون كمن استلاط اليوم منّا رجلا أو أقرّ بولد عند موته ليصرف الميراث عن آخرين ، ولم يعترض على قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحكمه وسنته بردّ ولا جحود ؛ والحاكم عندك وعند أصحابك قد يعطل الحكم ويحكم بالهوى ويجلد من يستحقّ القطع ويقطع من يستحقّ الجلد ؛ ثم أنتم لا ترون إكفاره ولا تشريكه .

[ 18 - موقف الجاحظ الحيادي ]

ولم أنصب نفسي - حفظك اللّه - لاحتجاج له إلّا بما يلزمني من الاحتجاج من لا يرى إكفاره من السلف ، وإيّاهم أردت وعنهم دافعت ؛ وعلى أنّي على كلّ حال أكره الزيادة والنقصان ، والعدل أولى بنا وهو مذهب إخواننا ومشايخنا وسلفنا من المعتزلة في فرق ما بين الاكفار والتفسيق ، وفي فرق ما بين التفسيق والتأثيم ، ولسنا ممّن يميل في شقّ عن شقّ ويتعصّب لبعض على بعض ومن يبخس حقّ الدون ، فكأنّك به قد تبخس حقّ من فوقه حتى تصير إلى أئمّته المهتدين وخلفائه الراشدين ؛ لست عمريا دون أن أكون علويّا ولا علويّا دون أن أكون عثمانيّا ، اللهمّ إلّا بما أخصّ به العترة بسبب القرابة ، وأمّا في غير ذلك فليس شأني إلّا محبّة الجميع والتوفير على الكل ودفع الظلامة عن الكبير والضعيف على قدر ما شاهدنا عليه من الحالات ؛ وليس هذا الكتاب من كتب
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 369 | الجاحظ / علي أبو ملحم