تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
كان القول في التمييز بينهما في الدهاء والنكرى وصحة العقل والرأي البر ، لا على أنا لا نصف الصالحين بالدهاء والنكرى ولا نقول : « ما كان أنكر أبا بكر ابن أبي قحافة وما كان أنكر عمر بن الخطاب ! » ، ولا يقول أحد عنده من الخبر شيء : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أدهى العرب والعجم وأنكر قريش وأمكر كنانة » لأنّ هذه الكلمة إنما وضعت في مديح أصحاب الأرب ومن يتعمّق في الرأي في توكيد أمر الدنيا وزبرجدها وتشديد أركانها ؛ فأما أصحاب الآخرة الذين يرون الناس لا يصلحون على تدبير البشر وإنما يصلحون على تدبير الخالق للبشر ، فانّ هؤلاء لا يمدحون بالدهاء والنكرى ولم يمنعوا هذا إلا ليعطوا أفضل منه ؛ ألا ترى أنّ المغيرة بن شعبة ، وكان أحد الدّهاة ، [ قال ] : « أنت كنت توهم شيئا فتلقيه عنك ، ما رأيتك مستجليا أحدا إلا رجمته كائنا من كان ذلك الرجل ، كان - واللّه - أعقل من أن يخدع وأفضل من أن يخدع » ، ولم يذكره بالدهاء والنكرى ، هذا مع عجبه بإضافة الناس ذلك اليه ؛ ولكن قد علم أنه إن أطلق على الأئمة الألفاظ التي [ لا ] تصلح لأهل الطهارة كان ذلك غير مقبول منه ، فهذا هذا . وكذلك كان حكم قول معاوية للجمع : « أخرجوا إلينا قتلة عثمان نحن لكم سلم » ، فاجهد كلّ جهدك واستعن بمن شايعك إلى أن تتخلّص إلى صواب رأي في ذلك الوقت أضله عليّ حتى تعلم أنّ معاوية خادع وان عليّا كان المخدوع ؛ فإن قلت : وقد بلغ ما أراد ونال ما أحبّ ، قلنا : وهل رأيت كتابا وضع لا على أنّ عليّا كان قد امتحن في أصحابه في دهره لما لم يمتحن به إمام قبله من الاختلاف والمنازعة والتشاجّ على الرئاسة والتسرّع والعجلة ، وهل أتي إلا من هذا المكان ؟ أو لسنا قد فرغنا من هذا مرّة ؟ وقد علمنا أنّ ثلاثة نفر تواطئوا وتتابعوا على قتل ثلاثة : فانفرد ابن ملجم بالتماس ذلك من عليّ ، وانفرد [ عمرو بن بكر التميمي ] بالتماس ذلك من عمرو بن العاص وانفرد [ البرك بن عبد اللّه الصريميّ ] بالتماس ذلك من معاوية ؛ فكان من الاتّفاق أو من الامتحان أن كان عليّ المقتول من بينهم ، وفي قياس مذهبكم أن
رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 367 | الجاحظ / علي أبو ملحم