تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية ) — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
نيام فعلوا ، وإن أمكن ذلك في طرفة عين لم يؤخروه ساعة ، وإن كان الحريق بالنار أعجل من الغرق لم يقتصروا على الغرق ولم يؤخروا الحريق إلى وقت الغرق ، وإن أمكن الهدم لم يتكلّفوا الحصار ولا يدعون أن ينصبوا العرّادات والمجانيق والثقب والتسرّب والدبّابات والكمين ، ولا يدعون دسّ السموم والتضريب بينهم بالكذب وطرح الكذب في عساكرهم بالسعايات وتوهيم الأمور وإيحاش بعضهم من بعض وقتلهم بكل آلة وحيلة وكيف [ ما ] وقع القتل وكيف [ ما ] دارت به الحال . فمن اقتصر - حفظك اللّه - من التدبير على ما في الكتاب والسنّة كان قد منع نفسه الطويل العريض من التدبير وأما الاشاهي من المكايد ؛ والكذب - حفظك اللّه - أكثر من الصدق ، والحرام أكثر عددا من الحلال ؛ ولو سمّى إنسان إنسانا باسم الانسان كان قد صدق وليس له اسم غيره ؛ ولو قال : هو شيطان ، أو كلب ، أو حمار ، أو شاة ، أو بعير ، لكان كاذبا في كلّ ذلك ؛ فكذلك الايمان والكفر ، وكذلك الطاعة والمعصية ، وكذلك الحقّ والباطل ، وكذلك السقم والصحة ؛ وكذلك الصواب والخطأ . فعليّ كان بالورع ملجما عن جميع القول إلّا ما هو للّه رضى ، ولا يرى الرضى إلا فيما دلّ عليه الكتاب والسنّة ، وممنوع اليد من البطش إلا ما هو للّه رضى دون ما يعول عليه أصحاب الدهاء والنكرى والمكايد والآراء ؛ فلمّا أبصرت العوام - حفظك اللّه - بوادر معاوية في المكايد ومثابرة غوايته في الخدع وكثرة ما اتفق له وتهيأ على يده ، ولم يروا مثل ذلك من عليّ ، ظنّوا بقصور رأيهم وقلّة عقولهم أنّ ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان عند عليّ ؛ فانظر بعد ذلك هل بقي له إلا رفع المصاحف وهي من خدعه ، ثمّ انظر هل خدع بها إلا من عصى عليّا ومال عن رأيه وخالف إذنه . فان زعمت أنه نال ما أراد من الاختلاف فقد صدقت ، وليس في هذا اختلفنا ولا عن غرارة أصحاب علي وعجلتهم وتسرّعهم وتنازعهم دفعنا ، وإنما