تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
الجد والهزل ، ومن الحظر والإطلاق ، ومن الاستئناف والقطع ، ومن التحفظ والتضييع ، ومن التثبيت والتهاون ، إذا أريد به تقريع معجب أو تكشيف مموه ، أو امتحان مشكل ، أو تخجيل وقاح ، أو قمع ممار ، أو ممازحة ظريف ، أو مساءلة عالم ، أو مدارسة حافظ ، أو تنبيها على الطريق ، أو تجديدا للذهن .

[ 42 - حاجة العقل إلى الشحذ ]

والعقل حفظك اللّه أطول رقدة من العين ، وأحوج إلى الشحذ من السيف ، وأفقر إلى التعهد ، وأسرع إلى التغير ، وأدواؤه أقتل ، وأطباؤه أقل ، وعلاجه أعضل . فمن تداركه قبل التفاقم أدرك أكثر حاجته ، ومن رامه بعد التفاقم لم يدرك شيئا من حاجته . ومن أكبر أسباب العلم كثرة الخواطر ثم معرفة وجوه المطالب ، ثم في الخواطر الغث والسمين ، والفاسد والصحيح والمسرع إليك والبطيء عنك ، والدقيق الذي لا يكاد يفهم ، والجليل الذي لا يلقى الفهم . ثم هي على طبقاتها في التقديم والتأخير ، وعلى منازلها في التباين والتمييز . والمطالب طرق ، ولدرك الحقائق أبواب ، فمن أخطأها وانتظر كان أسوأ حالا ممن لم يخطئها ولم ينتظر . وعلى قدر صحة العقل يصح الخاطر ، وعلى قدر التفرغ يكون التنبه - هذا جماع هذا الباب وجمهوره وأقسامه وجملته . ثم من أنفع أسبابه الحفظ لما قد حصل والتقييد لما ورد والانتظار لما يرد أن لا تخلي نفسك من الفكرة إلا بقدر جمام الطبيعة ، وأن تعلم أن مكان الدرس من الحفظ كمكان الحفظ من العلم ، وأن تعرف فضل ما بين طلب العلم للمنافسة والشهرة وبين طلبه للرغبة والرهبة ، وأن تعلم أن العلم لا يجود بمكنونه ولا يسمح بسره ومخزونه إلا لمن رغب فيه لكرم عنصره ، وفضله لحقيقة جوهره ، ورفعه عن التكسب وصانه عن التبذل ، وأنه لا يعطيك خالص الحكمة حتى تعطيه خالص المحبة . وكان يقال : من شاب
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 488 | الجاحظ / علي أبو ملحم