تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
الناقص والوافر والمشوب والخالص والمستقيم والمعوج . قال اللّه تبارك وتعالى لنبيه
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ
وقال
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
واعلم أنه لم يبق من المتعجب القائل إلا نصيب اللسان ، ولا من المستمع القائل إلا حصة السمع . وأما القلوب فخاوية قاسية وراكدة جامدة ، لا تسمع داعيا ولا تجيب سائلا قد أغفلها سوء العادة واستولى عليها سلطان السكرة . فدع عنك ما لست منه فان فيما أورده عليك شغلا وهما داخلا . اعلم أن اللّه تعالى قد مسخ الدنيا بحذافيرها ، وسلخها من جميع معانيها ، ولو مسخها كما مسخ بعض المشركين قردة ، أو كما مسخ بعض الأمم خنازير ، لكان قد بقي بعض أمورها وحبس عليها بعض أعراضها ، كبقية ما مع القرد في ظاهره من شبه الآدمي ، وبقية ما مع الخنزير في باطنه من شبه البشري ، لكنه جل ذكره مسخ الدنيا مسخا متتبعا ومستقصى مستفرغا ، فبين حاليهما جميع التضاد ، وبين معنييهما غاية الخلاف . فالصواب اليوم غريب وصاحبه مجهول . فالعجب ممن يصيب وهو مغمور ، ويقول وهو ممنوع ، فإن صرت عونا عليه مع الزمان قتلته ، وإن أمسكت عنه فقد رفدته ، ولسنا نريد منك النصرة ولا المعونة ولا التأنيس ولا التعزية ، وكيف أطلب منك ما قد انقطع سببه وأجتث أصله . وقد كان يقال : من طلب عيبا وجده . هذا في الدهر الصالح دون الفاسد . فان أنصفت فقد أغربت ، وإن جرت فلم تعد ما عليه الزمان . وهب اللّه لنا ولك الإنصاف وأعاذنا وإياك من الظلم . والحمد للّه كما هو أهله ، ولا حول ولا قوة إلا به ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .