تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
فلما رأى صديقي اقتفائي آثار الكتّاب ، باستهانتي للحساد عند اعتلاقي حبائلك أعزّك اللّه ، أنشأ متمثّلا بقول نصر بن سيّار :
إنّي نشأت وحسّادي ذوو عدد * يا ذا المعارج لا تنقص لهم أحدا إن يحسدوني على ما قد بنيت لهم * فمثل حسن بلائي جرّ لي الحسدا
وليس العجب أن يكثروا وأنا أنعق بمحاسنك ، وأهتف بشكرك ، ولكن العجب كيف لا تتفتّت أكبادهم كمدا . وكان بعضهم يقول : اللهمّ كثّر حسّاد ولدي ؛ فإنّهم لا يكثرون إلّا بكثرة النّعمة . فإن كان والدي سبق منه هذا الدّعاء ، فإنّ الإجابة كانت مخبوءة إلى زمان عزّك ؛ فقد رأينا تباشيرها ، وبدت لنا عند عنايتك غايتها . وكان بعض الصالحين يقول : اللهم اجعل ولدي محسودين ، ولا تجعلهم مرحومين ؛ فإنّ يوم المحسود يوم عزّة ، ويوم الحاسد يوم ذلّة . ويقال : إنّه لمّا مات الحجّاج سمعوا جارية خلف جنازته وهي تقول :
اليوم يرحمنا من كان يحسدنا * واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
ويقال : إنّ زياد ابن أبيه قال لحرقة ابنة النعمان : أخبريني بحالكم . قالت : إن شئت أجملت وإن شئت فسّرت . فقال لها : أجملي ، فقالت : « بتنا نحسد ، وأصبحنا نرحم » . فخطبها زياد وكانت في دير لها فكشفت عن رأسها ، فإذا رأس محلوق ، فقالت : أرأس عروس كما ترى يا زياد ؟ وأعطاها دنانير فأخذتها وقالت : جزتك يد افتقرت بعد غنى ، ولا جزتك يد استغنت بعد فقر ! ولا نعلم الحسد جاء فيه شيء أكثر من حديث روى عن النبي صلى اللّه