تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
وعضههم والطّعن عليهم ، وجرّأهم على ذلك ما رأوا من صفو ضعفة القلوب واذلّة الناس إليهم ، وميل جهلاء الملوك معهم عليهم ، وأمّلوا أن ينالوا بذلك بشاشة العامة ، وتستوي لهم الرّئاسة على طغام الناس ورعاعهم ، ويستخولوا رعاتهم وقومهم ، فهمروا وهدروا وتورّدوا على أهل العلم بغباوتهم ، وكشفوا أغطية الجهل عن أنفسهم ، وهتكوا سترا كان مسدلا عليهم بالصّمت . فقد قيل : « الصمت زين العالم ، وستر الجاهل » ؛ طمعا في الرئاسة وحبّا لها . وقد قيل :
حبّ الرئاسة داء لا دواء له * وقلّما تجد الراضين بالقسم
ولم يخل زمن من الأزمنة من هذه الطبقة ولا يخلو . وهلاك من هلك من الأمم فيما سلف بحبّ الرئاسة . وكذلك من يهلك إلى انقضاء الدّهر فبحبّ الرئاسة . وقد قيل : هلاك الناس منذ كانوا إلى أن تأتي الساعة بحبّ الأمر والنّهي ، وحبّ السّمع والطاعة . فأشكل على العامّة أمر العالم الحقيقيّ والمدّعي المجاري المنتحل للزّور والباطل ؛ ثم ترادف عليهم من هذه العلل التي يعمى لها السبيل الواضح والطّريق المنشأ ، على الجاهل المستضعف ؛ وذي الغباء المسترهف .

[ 3 - منتحلو كتب الجاحظ ]

ولست آمن - جعلني اللّه فداك - أن تكون هذه الكتب التي أعنى بتأليفها ، وأتأنّق في ترصيفها ، يتولّى عرضها عليك من قد لبس لباس الزّور في انتحال وضع مثلها ، ونسب نفسه إلى القوّة على نظائرها ، والمعرفة بما يقاربها ، إن لم يكن أخاها فابن عمّها ، وتشبّع بما لم يطعمه اللّه منها .
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 369 | الجاحظ / علي أبو ملحم