أوائلها ؛ فإنّ معك قلبا به من اليقظة والذكاء ، والتوقّد والحفظ ، ما يكفي معه النّظر الخاطف .
[ 2 - حساد المؤلفين ]
إنه لم يخل زمن من الأزمان فيما مضى من القرون الذاهبة إلّا وفيه علماء محقّون ، قد قرءوا كتب من تقدّمهم ، ودارسوا أهلها ، ومارسوا [ الموافقين ] لهم ، وعانوا المخالفين عليهم ، فمخضوا الحكمة وعجموا عيدانها ، ووقفوا على حدود العلوم ، فحفظوا الأمّهات والأصول ، وعرفوا الشرائع والفروع ، ففرقوا ما بين الأشباه والنظائر ، وصاقبوا بين الأشكال والأجناس ، ووصلوا بين المتجاور والمتوازي ، واستنبطوا الغامض الباطن بالظاهر البيّن ، واستظهروا على الخفيّ المشكل بالمكشوف المعروف ، وعرفوا بالفهم الثّاقب والعلم الناصع ، وقضت لهم المحنة بالذكاء والفطنة ، فوضعوا الكتب في ضروب العلوم وفنون الآداب لأهل زمانهم ، والأخلاف من بعدهم .
يزدلفون بذلك إلى الممتنّ عليهم بفضل المعرفة التي ركّبها اللّه فيهم ، وأبانهم من غيرهم ، وفضّلهم عليهم ، ويباهون به الأمم المخالفة لهم ، ويتبارون بذلك فيما بينهم ، ولهم حسّاد معارضون من أهل زمانهم في تلك العلوم والكتب ، منتحلة يدّعون مثل دعاويهم ، قد وسموا أنفسهم بسمات الباطل ، وتسمّوا بأسماء العلم على المجاز من غير حقيقة ، ولبسوا لباس الزّور متزخرفين متشبّعين بما لا محصول له ، يحتذون أمثلة المحقّين في زيّهم وهديهم ، ويقتفون آثارهم في ألفاظهم وألحاظهم ، وحركاتهم وإشاراتهم ، لينسبوا إليهم ويحلّوا محلّهم ، فاستمالوا بهذه الحيلة قلوب ضعفاء العامّة ، وجهلاء الملوك ، واتّخذهم المعادون للعلماء المحقّين عدّة يستظهرون بهم عند العامّة . وحمل المدّعية للعلم المزوّر الحسد على بهت العلماء المحقّين ،