تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
لا واللّه إن تعرف على ظهرها موضعا للسرّ ، ولا مكانا للشكوى ، ولا روحا تأنس بها ، ولا نفسا تسكن إليها . ولو أردت أن تعرّفني من جميع العالمين رجلا لما قدرت على أحد يحتمل الغنى . ومحتمل الفقر قليل ، ومحتمل الغنى عديم . إنّ الخير - أبقاك اللّه - في أيام كثرته كان قليلا فما ظنّك به في أيام قلّته ، وإن الشرّ في أيام قلّته كان كثيرا فما ظنّك به في أيّام كثرته ، وأنت غريب في المصطنعين ، وأنا غريب في الصنائع ، والغريب للغريب نسيب ، ونسب المشاكلة وقرابة الطبيعة الموافقة ، أقرب من نسب الرحم ؛ لأنّ الأرحام مولعة بالتحاسد ، لهجة بالتقاطع ، وأن التحابّ على طبع المشاكلة . والتلاقي على وفاق من الطبيعة ، أبعد من التفاسد ، وأبعد من التعادي . وسبب التعادي عرض في طبائع الغرباء ، وجوهر في طبائع الأقرباء . واعلم أنّك لا تزال في وحشة إلى وحشة ، وفي غربة إلى غربة ، وفي تنكّر العيش وتسخّط الحال ، حتى تجد من تشكو إليه بثّك ، وتفضي إليه بذات نفسك . ومتى رأيت عجبا لم تضحك رؤيتك له بقدر ما يضحكك إخبارك إياه . فمن أغلب عليك ممّن كانت هذه حاله منك ، وموقعه من نفسك .

[ 16 - الجاحظ يستعطف ابن الزيات بشيخوخته وأفضاله عليه ابان شبابه ]

ولو أنّ شيبتي التي بها استعطفتك ، وكبرة سنيّ التي بها استرحمتك ، اللتان لم يحدثا عليّ إلّا وأنا في ذراك ، ولم يحلّا بي إلّا وأنا في ظلّك ، لكان في شفاعة الكبرة ، واسترحام الضّعف والوهنة ، ما يردعك عنّي أشدّ الردع ، ويؤثّر في طباعك أبين الأثر . فكيف وقد أكرمتني جديدا ، ثم تريد أن
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 355 | الجاحظ / علي أبو ملحم