تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
ومن شحذ الطبيعة ، وتمكين حسن العادة . ولو لم يكن في ذلك إلا الشّغل عن خوض الخائضين ، والبعد عن لهو اللّاهين ، ومن الغيبة للناس والتمنّي لما في أيديهم ، لقد كان نفع ذلك كثيرا ، وموقعه من الدّين والفرض عظيما . ومتى ثقل الدرس تثاقلت النفس ، وتقاعسته الطبيعة . ومتى دام الاستثقال احدث الهجران . وإذا تطاول الكدّ رسخ الزهد . وفي ترك النظر عمى البصر ، وفي اهمال الطبيعة كلال حد ( الطبيعة . وعلى قدر الحاجات تكون الخواطر ، كما أنه على قدر غريزة العقل تصح الحوائج وتسقم ، وعلى قدر كثرة الحاجة تتحرك الجارحة ويتصرف اللسان ، ومع قلة الحركة وبعد العهد بالتصرف يحدث العي ويظهر العجز ويبطئ الخاطر . ومع ذهاب البيان يفسد البرهان . وفي فساد البرهان هلاك الدّنيا وفساد الدين . فقد بلغت ما أردت ، ونلت ما حاولت ، فحسبك الآن من شج من يأسوك ، ومن قتل من يقتل فيك . جعلت فداك . إنه ليس يومي منك بواجد ، وأنا على عقابك أوجد . وليس ينجي منك معقل وعل ، ولا مفازة سبع ، ولا قعر بحر ، ولا رأس طود ، ولا دغل ولا دحل ، ولا نفق ولا مغارة ولا مطمورة . وليس ينجيني منك إلا مفازة المهلّب . فان اعرتني قلبه وعلمتني حيلته ، وأمكنتني من سكينه . وإلا فأنا أوّل من ابتلعته تلك الحية . ولا واللّه إن بي قوة على الثّعبان ، فكيف التّنّين . أعفني من حيّة المهلّب ثم اقتلني أيّ قتلة شئت . إن احترست منك ألفيت لنفسي كدّا شديدا ، وغما طويلا ، وطال اغترابي وافتراق الافي ، وتعرضت للعدو ، وتحرّشت بالسباع . فإن استرسلت إليك لم تر أن تقتلني إلا شرّ قتلة وآلمها ، ولم تعذبني إلا باشد النقم وأطولها . ولو أردت ذبحي لاخترت الكليل على المرهف ، والتطويل
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 339 | الجاحظ / علي أبو ملحم