تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
والشّكل إلى الشّكل ، وتقدّمت في استجادة الجلود ، وفي تمييز الصنّاع ، وفي تخيّر البياعات ، وغرمت المال ، وشغلت البال ، وجعلتها مصحفا مصحفا ، وأجملتها صنفا صنفا ؛ ورأيت أنّي قد أحكمت شأني ، وجمعت إليّ أقطاري ، رأيت أن أنظر فيها وأنا مستلق ولا أنظر فيها وأنا منتصب ، استظهارا على تعب البدن ؛ إذ كانت الأسافل مثقلة بالأعالي ، وإذ كان الانتصاب يسرع في إدخال الوهن على الأصلاب ؛ ولأنّ ذلك أبقى على نور البصر ، وأصلح لقوّة الناظر ؛ إذ كلّ واحد من هذه المصاحف قد أعجز يدي بثقل جرمه ، وضيّق صدري بجفاء حجمه . وإذا ثقل أنكأ الصدر ، وأوهن العظم . وإذا أنا نظرت فيها وأنا جالس سدرت عيني ، وتقوّس ظهري ، واجتمع الدم في وجهي ، وأكرهت بصري على غير جهته ، وأجريت شعاع ناظري في غير مجراه . وقد علمت - أبقاك اللّه - مع خبرتك بمقابح الأمور ، ومواقع المنافع والمضارّ ، ثم بمصالح العباد والبلاد ، أنّ من كان على مقطع جبل ، أو على شرفات قصر ، فأراد رؤية السماء على بعدها ، وجد ذلك على العين سهلا خفيفا ، وإن أراد أن يرى الأرض على قربها ، وجد ذلك على العين عبئا ثقيلا . فإن بدا لي أن يقابل عيني به العبد ، أو تواجهني به الأمة ، كلّفت أخرق النّاس كفّا ، وأقلّهم وفقا ، وأكثرهم التفاتا ، وأحضرهم نعاسا ، وأقلّهم على حال واحدة ثباتا ، وأجهلهم بمقدار الموافقة ، ولمقادير المقابلة ، وبحطّ اليد ورفعها ، وإمالتها ونصبها . ثم رأيت في تضجّرهم وتكرّههم وفرارهم منه ، ما صيّر تجشّمي لثقل وزنه ، ومقاساتي لجفاء حجمه ، أهون على يدي ، وأخفّ على قلبي . فإن تعاطيته عند ذلك بنفسي فشقاء حاضر ، وإن ألزمته غيري فغيظ قاتل . وحتّى صارت الحال فيها داعية إلى ترك درسها والمعاودة لقراءتها ، مع ما كان فيها من الفائدة الحسنة ، والمنافع الجامعة ،
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 338 | الجاحظ / علي أبو ملحم