تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
الندوة . وسواء - جعلت فداك - ظلمت بالبطش والغشم ، أو ظلمت بالدّحس والدّسّ . فشاور لبّك ، وناظر حزمك ، وقف قبل الوثبة ، واحذر زلّة العالم . وقد قال صاحبكم : من استشار الملالة وقلّد طبيعته الاستطراف ، وجعل الخطرة ذنبا ، والذنب ذنوبا ، ومقدار الطّرفة إصرارا ، والصّغير كبيرا ، والقليل كثيرا ، عاقب على المتروك الذي لا يعبأ به ، وبلغ بالبطش إلى حيث لا بقيّة معه ، ورأى أن القطيعة التي لا صلة معها ، والتخليج الذي لا تجمّل معه ، الحزم المحمود ؛ وأنّ الاعتزام في كلّ موضع هو الرأي الأصيل . وقال أيضا : من كانت طبيعته مأمونة عليه عند نفسه ، وكان هواه رائده الذي لا يكذبه ، والمتأمّر عليه دون عقله ، ولم يتوكّل لما لا يهواه على ما يهواه ، ولم ينصر تالد الإخوان على الطارف ، ولم ينصف المملول المبعد من المستطرف المقرّب ، ولم يخف أن تجتذبه العادة ، وتتحكم عليه الطبيعة ، فليرسم حججهما ، ويصوّر صورهما ، في كتاب مفرد أو لفظ مسموع ، ثم يعرضهما على جهابذة المعاني وأطباء أدواء العقول ، على ألا يختار إلّا من لا يدري أيّ النوعين يبغي ، وعلى أيّهما يحامي ، وأيّهما دواؤه وأيّهما داؤه . فإن لم يستعمل ذلك بما فضل له من سكر سوء العادة ، لم يزل متورّطا في الخطاء مغمورا بالذمّ .

[ 6 - ابن الزيات يعرض بالجاحظ لاهماله تجليد كتبه ونظمها ]

سمعتك وأنت تريدني وكأنّك تريد غيري ، وكأنّك تشير عليّ من غير أن تنصّني . وتقول : إنّي لأعجب ممّن ترك دفاتر علمه متفرّقة مبثوثة ، وكراريس درسه غير مجموعة ولا منظومة ، كيف يعرّضها للتجرّم ، وكيف لا يمنعها من التفرّق . وعلى أنّ الدفتر إذا انقطعت حزامته ، وانحلّ شداده ، وتخرّمت ربطه ، ولم يكن دونه وقاية ولا جنّة ، تفرّق ورقه ؛ وإذا تفرّق ورقه اشتدّ
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 336 | الجاحظ / علي أبو ملحم