تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
لم يزل يرى أنّه مثلك ، وأنه يستوجب منك استيجابك ، ولا سيما إذا كانت الصنيعة أنت ابتدأتها ، وأنت أبو عذرتها . فإن أنت لم تحكم له بالغاية مع اجتماع هذه العلل فيه ، ومع توافيها إليه ، ولم تقض له بأقصى الغاية مع ترادف هذه الأسباب وتكامل هذه الدلائل ، وتعاون هذه البرهانات ، فكل خبر بيّنه زور ، وكلّ دلالة فاسدة . وقد قال الأول : « دلائل الأمور أشد تثبيتا من شهادات الرجال » . إلّا أن يكون في الخبر دليل ، ومع الشّهادة برهان ؛ لأنّ الدليل لا يكذب ولا ينافق ولا يزيد ولا يبدّل ، وشهادة الإنسان لا تمتنع من ذلك ، وليس معها أمان من فساد ما كان الإمكان قائما .

[ 4 - تفضيل النخل على الزرع سبب سخيف للعداوة ]

وبعد متى صار اختيار النّخل على الزرع يحقد الإخوان ، ومتى صار تفضيل الحبّ وتقريظ الثّمر يورث الهجران ، ومتى تميّزوا هذا التميّز وتهالكوا هذا التهالك ؟ ومتى صار تقديم النحلة ملّة ، وتفضيل السنبلة نحلة ؟ ومتى صار الحكم للنّعجة نسبا وللكرمة صهرا ، ومتى تكون فيها ديانة وتستحكم فيها بصيرة ، ويحدث عنها حميّة . وقد كنا نعجب من حرب البسوس في ضرع ناب ، ومن حرب بعاث في مخرف تمر ، ومن حرب غطفان في سبق دابّة . فجئتنا أنت بنوع من العجب أبطل كلّ عجب ، وآنسنا بكل غريب ، وحسّن عندنا كلّ قبيح ، وقرّب عندنا كلّ بعيد . فإن جهلت - أعزّك اللّه - غضبك فمثلي جهل ما لا علّة له ، وإن عجزت عن احتمال عقابك فمثلي ضجّ مما لا يطيق حمله . ولا عار على جازع إلّا فيما يمكن في مثله الصبر ، ولا لوم على جاهل فيما لا ينجح في مثله الفكر .