من قد استرقّه المعروف ، واستعبده الطّمع ، ولزمه ثقل الصّنيعة ، وطوّق عنقه الامتنان ، واسترهن بتحمّل الشّكر .
[ 4 - شهرة قريش بالتجارة ]
فصل منه : وقد علم المسلمون أنّ خيرة اللّه تعالى من خلقه ، وصفيّه من عباده ، والمؤتمن على وحيه ، من أهل بيت التّجارة ، وهي معوّلهم وعليها معتمدهم ، وهي صناعة سلفهم ، وسيرة خلفهم .
ولقد بلغتك بسالتهم ، ووصفت لك جلادتهم ، ونعتت لك أحلامهم ، وتقرّر لك سخاؤهم وضيافتهم ، وبذلهم ومواساتهم . وبالتّجارة كانوا يعرفون .
ولذلك قالت كاهنة اليمن « للّه درّ الدّيار لقريش التّجّار » .
وليس قولهم : قرشيّ كقولهم : هاشمي ، وزهري وتيمي ، لأنّه لم يكن لهم أب يسمّى قريشا فينتسبون إليه ، ولكنّه اسم اشتقّ لهم من التجارة والتّقريش ، فهو أفخم أسمائهم وأشرف أنسابهم ، وهو الاسم الذي نوّه اللّه تعالى به في كتابه ، وخصّهم به في محكم وحيه وتنزيله ، فجعله قرآنا عربيّا يتلى في المساجد ، ويكتب في المصاحف ، ويجهر به في الفرائض ، وحظوة على الحبيب والخالص .
ولهم سوق عكاظ ، وفيهم يقول أبو ذؤيب :
إذا ضربوا القباب على عكاظ * وقام البيع واجتمع الألوف
وقد غبر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم برهة من دهره تاجرا ، وشخص فيه مسافرا ، وباع واشترى حاضرا ، واللّه أعلم حيث يجعل رسالته .
ولم يقسم اللّه مذهبا رضيّا ، ولا خلقا زكيّا ولا عملا مرضيّا إلّا وحظّه منه أوفر الحظوظ ، وقسمه فيه أجزل الأقسام .