تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
ومتى اتّكل صاحب البلاغة على الهوينى والوكال ، وعلى السّرقة والاحتيال ، لم ينل طائلا ، وشقّ عليه النزوع ، واستولى عليه الهوان ، واستهلكه سوء العادة . والوجه الضارّ : أن يتحفّظ ألفاظا بعينها من كتاب بعينه ، أو من لفظ رجل ، ثم يريد أن يعدّ لتلك الألفاظ قسمها من المعاني ، فهذا لا يكون إلا بخيلا فقيرا ، وحائفا سروقا ، ولا يكون إلّا مستكرها لألفاظه ، متكلّفا لمعانيه ، مضطرب التأليف منقطع النظام . فإذا مرّ كلامه بنقّاد الألفاظ وجهابذة المعاني استخفّوا عقله ، وبهرجوا علمه . ثم اعلم أنّ الاستكراه في كل شيء سمج ، وحيث ما وقع فهو مذموم ، وهو في الطّرف أسمج ، وفي البلاغة أقبح . وما أحسن حاله ما دامت الألفاظ مسموعة من فمه ، مسرودة في نفسه ، ولم تكن مخلّدة في كتبه . وخير الكتب ما إذا أعدت النّظر فيه زادك في حسنه ، وأوقفك على حدّه .

[ 12 - عبد اللّه بن المقفع ]

فصل منه : ومن المعلمين ثم من البلغاء المتأدّبين : عبد اللّه بن المقفّع ، ويكنى أبا عمرو ، وكان يتولّى لآل الأهتم ، وكان مقدّما في بلاغة اللسان والقلم والتّرجمة ، واختراع المعاني وابتداع السّير . وكان جوادا فارسا جميلا ، وكان إذا شاء أن يقول الشعر قاله ، وكان يتعاطى الكلام . ولم يكن يحسن منه لا قليلا ولا كثيرا . وكان ضابطا لحكايات المقالات ، ولا يعرف من أين غرّ المغترّ ووثق الواثق . وإذا أردت أن تعتبر ذلك ، إن كنت من خلّص المتكلّمين ومن النّظّارين ، فاعتبر ذلك بأن تنظر في آخر رسالته ( الهاشمية ) ، فإنّك تجده جيّد الحكاية لدعوى القوم ، رديّ المدخل في مواضع الطّعن