تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
الرأي أن يعتمد به في حساب العقد دون حساب الهند ، ودون الهندسة وعويص ما يدخل في المساحة . وعليك في ذلك بما يحتاج إليه كفاة السّلطان وكتّاب الدواوين . وأنا أقول : إن البلوغ في معرفة الحساب الذي يدور عليه العمل ، والتّرقّي فيه والسبب اليه ، أردّ عليه من البلوغ في صناعة المحرّرين ورؤوس الخطّاطين ؛ لأنّ في أدنى طبقات الخطّ مع صحّة الهجاء بلاغا . وليس كذلك حال الحساب .

[ 11 - تعليم صناعة الكتابة ]

ثمّ خذه بتعريف حجج الكتّاب وتخلّصهم باللفظ السّهل القريب المأخذ إلى المعنى الغامض . وأذقه حلاوة الاختصار ، وراحة الكفاية ، وحذّره التكلّف واستكراه العبارة ؛ فإنّ أكرم ذلك كلّه ما كان إفهاما للسامع ، ولا يحوج إلى التأويل والتعقّب ، ويكون مقصورا على معناه لا مقصّرا عنه ، ولا فاضلا عليه . فاختر من المعاني ما لم يكن مستورا باللفظ المتعقّد ، مغرقا في الإكثار والتكلّف ، فما أكثر من لا يحفل باستهلاك المعنى مع براعة اللّفظ وغموضه على السامع بعد أن يتّسق له القول ، وما زال المعنى محجوبا لم تكشف عنه العبارة . فالمعنى بعد مقيم على استخفائه وصارت العبارة لغوا وظرفا خاليا . وشرّ البلغاء من هيّأ رسم المعنى قبل أن يهيّئ المعنى ، عشقا لذلك اللفظ ، وشغفا بذلك الاسم ، حتّى صار يجرّ إليه المعنى جرّا ، ويلزقه به إلزاقا . حتّى كأنّ اللّه تعالى لم يخلق لذلك المعنى اسما غيره ، ومنعه الإفصاح عنه إلّا به . والآفة الكبرى أن يكون رديء الطّبع بطيء اللفظ ، كليل الحدّ ، شديد