تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
الغافل والغافل ، والأحمق والأحمق ، والغبيّ والغبيّ ، والمرأة والمرأة . قال اللّه تبارك وتعالى :
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
. لأنّ الناس عن النّاس أفهم ، وإليهم أسكن . فممّا أعان اللّه تعالى به الصّبيان ، أن قرّب طبائعهم ومقادير عقولهم من مقادير عقول المعلّمين . وسمع الحجّاج - وهو يسير - كلام امرأة من دار قوم ، فيه تخليط وهذيان ، فقال : مجنونة ، أو ترقّص صبيا ! ألا ترى أنّ أبلغ الناس لسانا ، وأجودهم بيانا وأدقّهم فطنة ، وأبعدهم رويّة ، لو ناطق طفلا أو ناغى صبيّا ، لتوخّى حكاية مقادير عقول الصّبيان ، والشّبه لمخارج كلامهم ، وكان لا يجد بدّا من أن ينصرف عن كلّ ما فضّله اللّه به بالمعرفة الشريفة ، والألفاظ الكريمة . وكذلك تكون المشاكلة بين المتّفقين في الصناعات .

[ 10 - تعليم النحو والرياضة ]

فصل منه : وأمّا النّحو فلا تشغل قلبه منه إلّا بقدر ما يؤدّيه إلى السلامة من فاحش اللّحن ، ومن مقدار جهل العوامّ في كتاب إن كتبه ، وشعر إن أنشده ، وشيء إن وصفه . وما زاد على ذلك فهو مشغلة عمّا هو أولى به ، ومذهل عمّا هو أردّ عليه منه من رواية المثل والشاهد ، والخبر الصادق ، والتعبير البارع . وإنّما يرغب في بلوغ غايته ومجاوزة الاقتصار فيه ، من لا يحتاج إلى تعرّف جسيمات الأمور ، والاستنباط لغوامض التدبّر ، ولمصالح العباد والبلاد ، والعلم بالأركان والقطب الذي تدور عليه الرّحى ؛ ومن ليس له حظّ غيره ، ولا معاش سواه . وعويص النحو لا يجري في المعاملات ولا يضطرّ إليه شيء . فمن
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 205 | الجاحظ / علي أبو ملحم