تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
وخرجت خارجة بخراسان فقيل لقتيبة بن مسلم : لو وجّهت إليهم وكيع ابن أبي سود لكفاهم فقال : وكيع رجل عظيم الكبر ، في أنفه خنزوانة ، وفي رأسه نعرة ، وإنّما أنفه في أسلوب ؛ ومن عظم كبره اشتدّ عجبه ، ومن أعجب برأيه لم يشاور كفيّا ، ولم يؤامر نصيحا ، ومن تبجّح بالانفراد وفخر بالاستبداد كان من الظّفر بعيدا ، ومن الخذلان قريبا ، والخطاء مع الجماعة خير من الصواب مع الفرقة . وإن كانت الجماعة لا تخطئ والفرقة لا تصيب . ومن تكبّر على عدوّه حقره ، وإذا حقره تهاون بأمره . ومن تهاون بخصمه ووثق بفضل قوّته قلّ احتراسه ، ومن قلّ احتراسه كثر عثاره . وما رأيت عظيم الكبر صاحب حرب إلّا كان منكوبا ومهزوما ومخدوعا . ولا يشعر حتّى يكون عدوّه عنده ، وخصمه فيما يغلب عليه أسمع من فرس ، وأبصر من عقاب ، وأهدى من قطاة ، وأحذر من عقعق ، وأشدّ إقداما من الأسد ، وأوثب من فهد ، وأحقد من جمل ، وأروغ من ثعلب ، وأغدر من ذئب ، وأسخى من لافظة ، وأشحّ من صبيّ ، وأجمع من ذرّة ، وأحرص من كلب ، وأصبر من ضبّ . فإنّ النّفس إنّما تسمح بالعناية على قدر الحاجة ، وتتحفّظ على قدر الخوف ، وتطلب على قدر الطّمع ، وتطمع على قدر السّبب . فصل منه : وأقول بعد هذا كلّه : إنّ النّاس قد ظلموا أهل الحلم والعزم ، حين زعموا أنّ الذي يسهّل عليهم الاحتمال معرفة الناس بقدرتهم على الانتقام ، فكيف والمذكور بالحلم والمشهور بالاحتمال يقيّض له من السّفهاء ، ويؤتى له من أهل البذاء ما لا يقوم له صبر ، ولا ينهض به عزم . بل على قدر حلمه يتعرّض له ، وعلى قدر عزمه يمتحن صبره ولأنّ الذي سهّل عليه الحلم ، ومكّنه من العزم ، معرفة الناس بقدرته على الانتقام ، واقتداره