تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
وشرف رعيّته وكرم ناحيته . ولا كان فوق الملوك الأعاظم والجلّة الأكابر ، بل دون كثير منهم في الحسب وشرف الملك وكرم الرعيّة ، ومنعة السّلطان ، والسّطوة على الملوك . ولو كان الكبر فضيلة وفي التّيه مروءة ، لما رغب عنه بنو هاشم ولكان عبد المطّلب أولى النّاس منه بالغاية ، وأحقّهم بأقصى النهاية . ولو كان محمود العاجل ومرجوّ الآجل ، وكان من أسباب السّيادة أو من حقوق الرّئاسة ، لبادر إليه سيّد بني تميم ، وهو الأحنف بن قيس ، ولشحّ عليه سيّد بكر بن وائل وهو ملك ، ولاستولى عليه سيّد الأزد وهو المهلّب . ولقد ذكر أبو عمرو بن العلاء جميع عيوب السّادة ، وما كان فيهم من الخلال المذمومة ، حيث قال : « ما رأينا شيئا يمنع من السّودد إلّا وقد وجدناه في سيّد : وجدنا البخل يمنع من السّودد ، وكان أبو سفيان بن حرب بخيلا . والعهار يمنع من السّودد ، وكان عامر بن الطفيل سيّدا ، وكان عاهرا . والظّلم يمنع من السّودد ، وكان حذيفة بن بدر ظلوما ، وكان سيد غطفان . والحمق يمنع من السّودد ، وكان عتيبة بن حصن محمقا ، وكان سيّدا . والإملاق يمنع من السّودد ، وكان عتبة بن ربيعة مملقا . وقلّة العدد تمنع من السّودد وكان شبل بن معبد سيّدا ، ولم يكن من عشيرته بالبصرة رجلان . والحداثة تمنع من السّودد ، وساد أبو جهل وما طرّ شاربه ، ودخل النّدوة وما استوت لحيته . فذكر الظّلم ، والحمق ، والبخل ، والفقر ، والعهار ، وذكر العيوب ولم يذكر الكبر ، لأنّ هذه الأخلاق وإن كانت داء فإنّ في فضول أحلامهم وفي سائر أمورهم ما يداوى به ذلك الدّاء ، ويعالج به ذلك السّقم ، وليس الداء الممكن كالدّاء المعضل ، وليس الباب المغلق كالمستبهم ، والأخلاق التي لا يمكن معها السّؤدد ، مثل الكبر والكذب والسّخف ، ومثل الجهل بالسّياسة .