تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
اللّه ، ولا أدعى إلى مقت النّاس ، ولا أبعد من الفلاح ، ولا أظهر نفورا عن التّوبة ، ولا أقلّ دركا عند الحقيقة ، ولا أنقض للطّبيعة ، ولا أمنع من العلم ، ولا أشدّ خلافا على الحلم ، من التكبّر في غير موضعه ، والتنبّل في غير كنهه . وما ظنّك بشيء العجب شقيقه ، والبذخ صديقه ، والنّفج أليفه ، والصّلف عقيدة . والبذّاخ متزيد ، والنّفّاج كذّاب ، والمتكبّر ظالم ، والمعجب صغير النّفس . وإذا اجتمعت هذه الخصال ، وانتظمت هذه الخصال في قلب طال خرابه ، واستغلق بابه . وشرّ العيوب ما كان مضمّنا بعيوب ، وشرّ الذنوب ما كان علّة لذنوب . والكبر أوّل ذنب كان في السماوات والأرض ، وأعظم جرم كان من الجنّ والإنس ، وأشهر تعصّب كان في الثّقلين ، وعنه لجّ إبليس في الطّغيان ، وعتا على ربّ العالمين ، وخطّأ ربّه في التّدبير ، وتلقّى قوله بالرّد . ومن أجله استوجب السّخطة ، وأخرج من الجنّة ، وقيل له :
فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها
. ولإفراطه في التّعظيم خرج إلى غاية القسوة ، ولشدّة قسوته اعتزم على الإصرار ، وتتايع في غاية الإفساد ، ودعا إلى كلّ قبيح ، وزيّن كل شرّ ، وعن معصيته أخرج آدم من الجنّة ، وشهر في كلّ أفق وأمّة ، ومن أجله نصب العداوة لذرّيته ، وتفرّغ من كل شيء إلّا من إهلاك نسله ، فعادى من لا يرجوه ولا يخافه ، ولا يضاهيه في نسب ، ولا يشاكله في صناعة ، وعن ذلك قتل النّاس بعضهم بعضا ، وظلم القويّ الضّعيف ، ومن أجله أهلك اللّه الأمم بالمسخ والرّجف ، وبالخسف وبالطّوفان ، والرّيح العقيم ، وأدخلهم النّار ،