ويدل على هذا أصل الكلمة وهو الأنس والأنس خلاف الوحشة والناس يقولون إنسي ووحشي ، وأما قولهم إنسي ووحشي والانس والجن ، أجري في هذا مجرى الوحش فاستعمل في مضادة الانس ، والانسان يقتضي مخالفته البهيمية فيذكرون أحدهما في مضادة الآخر ويدل على ذلك أن اشتقاق الانسان من النسيان وأصله انسيان فلهذا يصغر فيقال أنيسان ، والنسيان لا يكون الا بعد العلم فسمي الانسان انسانا لأنه ينسى ما علمه وسميت البهيمة بهيمة لأنها أبهمت على العلم والفهم ولا تعلم ولا تفهم فهي خلاف الانسان ، والانسانية خلاف البهيمية في الحقيقة وذلك أن الانسان يصح أن يعلم إلا أنه ينسى ما علمه والبهيمة لا يصح أن تعلم .
( الفرق ) بين الناس
والورى
أن قولنا الناس يقع على الاحياء والأموات ، والورى الأحياء منهم دون الأموات ، وأصله من ورى الزنديري إذا أظهر النار ، فسمي الورى ورى لظهوره على وجه الأرض ، ويقال الناس الماضون ولا يقال الورى الماضون .
( الفرق ) بين العالم
والناس
أن بعض العلماء قال أهل كل زمان عالم وأنشد *
وخندف هامة هذا العالم
* وقال غيره ما يحوي الفلك عالم ، ويقول الناس العالم السفلي يعنون الأرض وما عليها والعالم العلوي يريدون السماء وما فيها ويقال على وجه التشبيه الانسان العالم الصغير ويقولون إلى فلان تدبير العالم يعنون الدنيا ، وقال آخرون : العالم اسم لأشياء مختلفة ، وذلك أنه يقع على الملائكة والجن والانس وليس هو مثل الناس لأن كل واحد من الناس انسان وليس كل واحد من العالم ملائكة .
( الفرق ) بين العالم
والدنيا
أن الدنيا صفة والعالم اسم تقول العالم السفلي والعالم العلوي فتجعل العالم اسما وتجعل العلوي والسفلي صفة وليس في هذا إشكال فأما قوله تعالى
( وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ) *
ففيه حذف أي دار الساعة الآخرة وما أشبه ذلك .