تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
الذين أنزله بلسانهم ، وهم النبي والمهاجرون والأنصار الذين صيغة لسانهم لغة العرب في باديتها وقراها العربيّة . وجعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عربيّاً لأنه من صريح العرب . ولو أن قوماً من الأعراب الذين يسكنون البادية حضروا القُرَى العربية وغيرها وتَناءوْا معهم فيها سُمُّوا عرباً ولم يسمُّوا أعراباً . ويقال : رجل عربيّ اللسان إذا كان فصيحاً . وقال الليث : يجوز أن يقال : رجل عَرَبانيّ اللسانيّ . قال : والعرب المستعربة هم الذين دخلوا فيهم بعد فاستعربوا . وقلت أنا : المستعربة عندي : قوم من العجم دخلوا في العرب فتكلموا بلسانهم وحَكَوا هَيئاتهم وليسوا بُصَرحاء فيهم . وقال الليث : تعرّبوا مثل استعربوا . وكذلك قال أبو زيد الأنصاري . قلت : ويكون التعرّب أن يرجع إلى البادية بعد ما كان مقيماً بالحَضَر فيلحَق بالأعراب . ويكون التعرّب المُقام في البادية . ومنه قول الشاعر :
تعرَّب آبائي فهلَّا وقاهم * من الموت رَمْلَا عالجٍ زَرُودِ
يقول : أقام آبائي بالبادية ولم يحضروا القُرَى . و روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الثيب يُعْرب عنها لسانُها والبكر تُستأمَر في نفسها » . وقال أبو عبيد : هذا الحرف جاء في الحديث : يُعْرِب ، بالتخفيف . وقال الفرّاء : إنما هو يُعرِّب ، بالتشديد يقال : عرَّبت عن القوم إذا تكلمت عنهم واحتججت لهم . قلت : الإعراب والتعريب معناهما واحد ، وهو الإبانة . يقال : أعرب عنه لسانُه وعَرَّب أي أبان وأفصح . ويقال : أعرِبْ عما في ضميرك أي أبِنْ . ومن هذا يقال للرجل إذا أفصح في الكلام : قد أَعْرب . ومنه قول الكميت :
وجدنا لكم في آل حاميمَ آيةً * تأوّلها مِنّا تَقِي ومُعْرِبُ
تقِيّ : يتوقّى إظهاره حِذارَ أن يناله مكروه من أعدائكم . ومعرب أي مفصح بالحق لا يتوقّاهم . والخطاب في هذا لبني هاشم حين ظهروا على بني أميَّة ، والآية قوله جلّ وعزّ :
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى
[ الشّورى : 23 ] . وأمَّا حديث عمر بن الخطاب : « ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس ألَّا تعرِّبوا عليه » فليس هذا من التعريب الذي جاء في خبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنما هو من قولك : عرَّبت على الرجل قولَه إذا قبَّحته عليه . قال أبو عبيد : وقال الأصمعي وأبو زيد الأنصاريّ في قوله : « ألَّا تعربوا عليه » معناه : ألَّا تفسدوا عليه ولا تقبّحوه . ومنه قول أوس بن حَجَر :
ومثل ابن عَثْم إن ذُحول تُذُكّرت * وقتلى تِيَاسٍ عن صِلاح تعرِّب
ويروى : يعرّب . يعني أن هؤلاء الذين
تهذيب اللغة — صفحة 219 | أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري