تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
أين تعترف وتصبر . وذكّر ( معترف ) لأن لفظ المطيّ مذكَّر . وأمَّا قول اللَّه جلّ ذكره
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً
[ المُرسَلات : 1 ] فقال بعض المفسّرين فيها : إنها أُرسلت بالمعروف ، والعرف والعارفة والمعروف واحد ، وهو كلّ ما تعرفه النفْس من الخير وتَبْسَأ به وتطمئنّ إليه . قال اللَّه جلّ وعزّ
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعرَاف : 199 ] . وقيل في قوله :
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً
[ المرسلات : 1 ] : إنها الملائكة أُرسلت متتابعة كعُرف الفرس . وقرئت
( عُرْفاً
) و ( عُرُفاً ) والمعنى واحد . وقيل
الْمُرْسَلاتِ
: هي الرُسُل . أبو العباس عن ابن الأعرابيّ : عَرَف الرجل إذا أكثر من الطِيب ، وعرِف إذا ترك الطيب . وقول اللَّه جلّ وعزّ :
وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ
بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ [ التَّحْريم : 3 ] وقرىء ( عَرَف بعضه ) بالتخفيف . قال الفراء : من قرأ :
( عَرَّفَ
) بالتشديد فمعناه : أنه عرَّف حَفْصة بعضَ الحديث وترك بعضاً . قال : وكأنّ من قرأ ( عَرَف ) بالتخفيف قال : غَضِب من ذلك وجازى عليه ؛ كما تقول للرجل يسيء إليك : واللَّه لأعرفنَّ لك ذلك . قال : وقد - لعمري - جازى حفصةَ بطلاقها . قال الفرّاء : وهو وجه حسن ، قرأ بذلك أبو عبد الرحمن السُلَميّ . قلت : وذهب أبو إسحاق إبراهيم ابن السريّ في معنى
( عَرَّفَ
) و ( عَرَف ) إلى نحو ممَّا قاله الفرّاء . قلت : وقرأ الكسائي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم : ( عَرَفَ بعضه ) خفيفةً . وقرأ حمزة ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر اليحصبيّ
عَرَّفَ
بَعْضَهُ بالتشديد . وأما قول اللَّه جلّ وعزّ :
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها
لَهُمْ [ محَمَّد : 6 ] فإن الفرّاء قال : يعرَّفون منازلهم إذا دخلوها ، حتى يكون أحدهم أعرف بمنزله في الجنة منه بمنزله إذا رجع من الجمعة إلى أهله . وقلت : وهذا قول جماعة من المفسّرين ، وقد قال بعض اللغويين : إن معنى
عَرَّفَها
لَهُمْ أي طيَّبها ، يقال : طعام معرَّف أي مطيَّب . وقال الأصمعي في قول الأسود بن يعفر يهجو عِقَال بن محمد بن شفين :
فتُدخَل أيد في حناجر أُقْنِعت * لعادتها من الخَزِير المعرَّف
أُقنعت أي مُدَّت ورُفِعت للَّقْم . واللَّه أعلم بما أراده . وقال أبو العباس : قال بعضهم في قول اللَّه عزّ وجلّ :
وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها
لَهُمْ : وهو وضعك الطعام بعضَه على بعض من كثرته . وخَزِير معرَّف : بعضه على بعض . وقال ابن الأعرابي : العَرْف : الرائحة ، تكون طيّبة وغير طيّبة . وأما قول اللَّه جلّ وعزّ :
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ
رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ [ الأعراف : 48 ] فالأعراف في اللغة : جمع عُرْف ، وهو كل عال مرتفع . وقال بعض المفسّرين : الأعراف : أعالي سُور بين أهل الجَنَّة وأهل النار . وأصحابها قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم ، فلم يستحقُّوا الجنَّة بالحسنات ،
تهذيب اللغة — صفحة 208 | أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري