تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
كقوله :
إن تأت من تحت أجئها من علو
وقال الآخر :
إذا أنا لم أومن عليك ولم يكن * لقاؤك إلّا مِن وراءُ وراءُ
فرفع إذ جعله غاية ولم يذكر بَعدَه الذي أضيف إليه . قال الفرّاء : وإن نويت أن تُظهر ما أضيف إليه وأظهرته فقلت : للَّه الأمر من قبلِ ومن بَعدِ جاز ، كأنك أظهرت المخفوض الذي أضفت إليه قَبْلَ وبَعد . وقال الليث : البُعد على معنيين : أحدهما ضِدّ القُرب . تقول منه : بَعُدَ يَبْعُد بُعْداً فهو بَعيد . وتقول : هذه القرية بَعِيدٌ ، وهذه القرية قريبٌ ولا يراد به النعتُ ، ولكن يراد بهما الاسم . والدليل على أنهما اسمان قولك : قريبُه قريبٌ وبَعيده بَعيدٌ . قال والبُعْدُ أيضاً من اللعْن كقولك : أَبْعَدَه اللَّه أي لا يُرثَى له فيما نَزَل به . وكذلك بُعْداً له وسُحْقاً . ونَصَب بُعْداً على المصدر ولم يجعله اسماً ، وتميم ترفع فتقول : بُعْدٌ له وسُحْقٌ ؛ كقولك : غلامٌ له وفرسٌ . وقال الفرّاء : العرب إذا قالت : دارك منّا بَعِيدٌ أو قريبٌ ، أو قالوا : فلانة منا قريبٌ أو بَعِيدٌ ذكَّروا القريب والبَعيد ؛ لأن المعنى هي في مكان قريب أو بَعيد ، فجُعل القريب والبَعِيد خَلَفاً من المكان . قال اللَّه جلّ وعزّ :
وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ
[ هُود : 83 ] وقال
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً
[ الأحزَاب : 63 ] وقال
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ الأعراف : 56 ] قال : ولو أُنِّثَتا وبُنِيتَا على بَعُدَت منك فهي بعيدة ، وقرُبَت فهي قريبة كان صواباً . قال : ومن قال قريبٌ وبعيدٌ وذكّرهما لم يُثَنِّ قريباً وبعيداً ، فقال : هما منك قريبٌ وهما منك بعيدٌ . قال : ومَن أنثهما فقال : هي منك قريبة وبعيدة ثنَّى وجمع فقال : قريبات وبعيدات . وأنشد :
عَشِيَّةَ لا عفراء منك قريبة * فتدنو ولا عفراء منك بعيد
قال : وإذا أردت بالقريب والبعيد قَرَابة النسب أنّثت لا غير ، لم يختلف العرب فيها . وقال الزجّاج في قول اللَّه جلّ وعزّ :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
: إنما قيل : قريبٌ لأن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحدٍ . وكذلك كلّ تأنيث ليس بحقيقيّ . قال : وقال الأخفش : جائز أن تكون الرحمة ههنا بمعنى المَطَر . قال : وقال بعضهم - يعني الفرّاء - : هذا ذُكِّر ليفصل بين القريب من القُرْب والقريب من القرابة . وهذا غلط ، كل ما قَرُبَ في مكان أو نسَبٍ فهو جارٍ على ما يصيبه من التأنيث والتذكير . وقوله جلّ وعزّ :
أَلا بُعْداً
لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ [ هُود : 95 ] قرأ الكسائيّ والناس :
كَما بَعِدَتْ
قال وكان أبو عبد الرحمن السُلَمِيّ يقرؤها : ( بَعُدَتْ ) ، يجعل الهلاك والبُعد سواء ، وهما قريبٌ من السواء ؛ إلّا