وقد قالت العرب : هذا الطعام لا يَكيلني ، أي لا يكفيني كيلُه . قال اللَّه جلّ ثناؤه :
وَإِذا كالُوهُمْ
أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ « 1 » .
ويقولون : تعلّقتُك وتعلّقتُ بك ، وكَلِفْتُك وكَلِفْتُ بك .
وإنما سَهُلَ في الباء لأنها أصل لجميع ما وقعت عليه الأفاعيل إذا كنيت عنها بفعلت ، ألا ترى أنك تقول : ضربت أخاك ، فإذا كنيت عن ضربت قلت : فعلته . قال اللَّه عزّ وجلّ :
وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ *
« 2 » ، أي حوراً عيناً ، وهي لغة لأزد شَنوءة يقولون : زوّجتُه بها ، وغيرهم يقول : زوّجتُه إيّاها .
ولذلك اجترأت العرب على المحالّ « 3 » فأسقطوها من الأسماء وأوقعوا الأفاعيل عليها . قال : وأنشد بعضهم ( وافر ) « 4 » :
نُغالي اللحمَ للأضياف نِيئاً * ونُرْخِصه إذا نَضِجَ القُدورُ
وقال الآخر ( طويل ) « 5 » :
نجا سالمٌ والنفسُ منه بشِدقه * ولم يَنْجُ إلّا جفنَ سيفٍ ومِئزرا
ويُروى :
نجا عامر . . .
؛ أي نجا والنفسُ في شِدقه . وزعم يونس أن معناه فلم يَنْجُ إلّا بجفن سيف ومئزر ، وقد نصب هذا على الاستثناء . وأنشد ( بسيط ) :
ما شُقَّ جيبٌ ولا قامَتْك نائحةٌ * ولا بَكَتْكَ جيادٌ عند أسلابِ
جمع سَلَب . وكان الأصمعي يدفع هذا وينشد :
. . . وما ناحَتْك نائحةٌ .
وأنشد أبو زيد عن المفضَّل ( كامل ) « 6 » :
إن كنتِ أزمعتِ الفراقَ فإنما * زُمَّت ركابُكمُ بليلٍ مظلمِ
أراد : أزمعتِ على الفراق ، ولا تكاد العرب تقول إلّا أزمعت على ذلك . قال الشاعر ( وافر ) « 7 » :
وأيقنتُ التفرُّقَ يومَ قالوا * تُقُسِّمَ مالُ أرْبَدَ بالسِّهامِ
وقال أبو زيد : كل فِقرة من فَقار الظهر طَبَق . قال : ويقال :
مرّ طَبَقٌ من الليل ، أي مَلِيّ . قال أبو بكر : قوله مَلِيّ ، أي قطعة من الليل ، من قولهم : تملّيتَ حبيباً ، أي طالت أيّامك معه . وقال ابن أحمر ( كامل ) « 8 » :
وتواهقتْ أخفافُها طَبَقاً * والظِّلُّ لم يَفْضُلْ ولم يُكْرِ
أي تسابقت .
و
قال أبو زيد : الخال من الخُيَلاء ؛ والخال من قولهم :
عسكر خالٍ ، وثوب خالٍ للرقيق . قال الراجز في الخال من الكِبْر والخُيَلاء « 9 » :
والخالُ ثوب من ثياب الجُهّالْ * والدهر فيه غَفْلةٌ للغُفّالْ
والخالة جمع خالٍ من الخُيَلاء . قال النَّمِر بن تَوْلَب ( بسيط ) « 10 » :
أودَى الشبابُ وحُبُّ الخالة الخَلَبَهْ * وقد صحوتُ فما بالنفس من قَلَبَهْ
وقال الأصمعي : والخالي : الذي لا زوجة له . قال امرؤ القيس ( طويل ) « 11 » :
[ كذبتِ لقد أُصْبي على المرء عِرْسَه ] * وأمنعُ عِرْسي أن يُزَنَّ بها الخالي
ورجل خالُ مالٍ وخائلُ مالٍ ، إذا كان حَسَنَ القيام عليه .
قال الشاعر ( وافر ) « 12 » :
هامش
( 1 ) المطفّفين : 3 .
( 2 ) الدخان : 54 .
( 3 ) ط : « اجتزأت العرب من المحالّ » .
( 4 ) سبق إنشاده ص 1317 منسوباً إلى رجل من قيس .
( 5 ) البيت لحُذيفة بن أنس في ديوان الهذليين 3 / 22 . وانظر : مجاز القرآن 2 / 9 و 2 / 78 ، والمعاني الكبير 972 ، والصاحبي 136 ، والمخصَّص 12 / 131 و 14 / 77 ، واللسان ( نفس ، جفن ، نجا ) .
( 6 ) من معلّقة عنترة الشهيرة ؛ انظر : ديوانه 188 .
( 7 ) الشاهد فيه حذف الباء بعد أيقن . والبيت للبيد في ديوانه 201 ، والسيرة 571 ، والمعاني الكبير 1202 ، والأغاني 15 / 139 .
( 8 ) البيت لابن أحمر ، كما سبق ص 358 .
( 9 ) البيتان للعجّاج في ملحقات ديوانه 86 . وانظر : الاشتقاق 319 ، والمخصَّص 4 / 64 ، والسِّمط 920 ، والعين ( خول ) 4 / 304 ، والصحاح واللسان ( خيل ) .
( 10 ) سبق إنشاد البيت ص 293 و 1056 .
( 11 ) ديوانه 28 ، والخصائص 3 / 206 ، والمقاييس ( عرس ) 4 / 261 ، والصحاح واللسان ( خلا ) .
( 12 ) البيت من قصيدة لخالد بن الصَّقْعَب النهدي في حماسة ابن الشجري 290 .
وانظر : المعاني الكبير 85 ، واللسان والتاج ( خول ) .