تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الغريب المصنف — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
نشأ أبو عبيد في هراة وبها تعلم « 4 » إلى أن بلغ سن العشرين ، فدعاه حبّه للعلم وشغفه بالمعرفة إلى الخروج من هراة ، فتحوّل سنة 179 ه / 795 م إلى كلّ من الكوفة والبصرة وبغداد ، وقد سمع عن فقهائها ونحاتها ومفسّريها الشيء الكثير . فكان حريصا على ملازمة المحدّثين والرواة ، كلفا بعلوم القرآن والقراءات ، دائم الاتّصال باللغويّين والنحاة . ولئن اختلفت مذاهب شيوخه وتنوّعت ، وتعدّدت مناهجهم وتباينت ، فقد ظلّ أبو عبيد وفيًّا لهم جميعا يأخذ عن هذا الفريق وذاك ، ويجلس إلى دروسهم بانتظام كوفيّين وبصريّين على السواء ، همّه الوحيد الجمع والتحصيل والرسوخ في العلم « 5 » . ورجع إلى هراة مسقط رأسه بعد رحلة طويلة مكنته من جمع أصناف من العلم وتأليف الكثير من الكتب في اللغة والفقه والحديث وعلوم القرآن والقراءات . ولقد عمل بها مؤدّبا في أسرتين من خراسان ، ثم سُمّي قاضيا على مدينة طرطوس « 6 » سنة 192 ه / 807 م ، وظلّ في هذا المنصب ثمانية عشر عاما انتقل اثرها إلى بغداد قصد الإقامة بها . ولم يمض وقت طويل حتّى تعرّف على عبد اللّه بن طاهر « 7 » أمير خراسان فقرّبه وأصبح وليّ نعمته . وقام أبو عبيد بفريضة الحجّ سنة 219 ه / 834 م ، وأقام بمكّة إلى أن توفّي « 8 » سنة 224 ه / 838 م وقد بلغ من العمر سبعا وستين سنة .
هامش
( 4 ) المراجع ضنينة بالأخبار عن المرحلة الأولى من حياة أبي عبيد التي قضاها بهراة قبل انتقاله إلى بغداد ولا نعلم شيئا ذا بال عن نوع الثقافة التي تلّقاها في صباه بهراة . ( 5 ) يقول الذهبي في « التذكرة » عن أبي عبيد بعد أن اكتمل تكوينه ( ج 2 / 6 ) : « وكان أبو عبيد حافظا للحديث وعلله عارفا بالفقه والاختلاف ، رأسا في اللّغة ، إماما في القراءات » . ( 6 ) « طرسوس بفتح أوله وثانيه مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم . أنشئت سنة نيّف وتسعين ومائة » ياقوت : معجم البلدان ج 6 / 38 . ( 7 ) واسمه عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعي بالولاء ، أمير خراسان ومن أشهر الولاة في العصر العباسي توفي سنة 230 ه . ترجم له ابن خلكان في الوفيات ج 1 / 26 وقال : « كان عبد اللّه سيّدا نبيلا عالي الهمّة شهما » . ( 8 ) كلّ المراجع التي بين أيدينا متّفقة على مكان وفاة أبي عبيد ، وهو مكّة ما عدا برو كلمان فقد كان متردّدا في مكان وفاته بين مكة والمدينة . ونورد فيما يلي خبرا لياقوت في المعجم ج 16 / 256 يبيّن -