فالهواء مؤد للأشباح « 1 » على مثل ما قال المعلم الأول . ومن عرف أن لا خلاء وأن أجرام الأفلاك مصمتة لا فرج فيها ولا فطور عرف أن ذلك مستحيل لا يمكن وأنه لا يمكن أن ينفذ فيها هذا الخارج ، بل كيف ينفذ هذا الشعاع في الماء إن لم يكن فيه خلاء حتى يلاقى جميع الأرض تحته ويراه وهو متصل ، والماء لا يربو حجمه لما خالط منه . وإن كان هناك خلأ ، فكم يكون مقدار تلك الفرج الخلائية التي تكون في الماء مع ثقل الماء ونزوله في الفرج وملئه إياها . فيرى أن الماء فرج كله أو أكثره أو مناصفه حتى يمكن الخارج أن ينفذ إلى جميع ما في قعر الماء ويلاقيه ويماسه وهو غير منقطع عن البصر ، وإن انقطع فذلك أعجب .
فإن قال قائل : إنا نرى الشئ القليل ينفذ في الماء الكثير حتى يستولى على كليته مثل الزعفران يصبغ قليله كثيرا من الماء .
فنقول : إن انصباغ الماء الكثير بالزعفران القليل لا يخلو من وجهين :
إما أن يكون الصبغ الحادث في الماء غير موجود إلا في الأجزاء الزعفرانية وأجزاء الماء بحالها ، وإما أن تكون أجزاء الماء استحالت أيضا في نفسها إلى الصبغ كما تستحيل إلى الحر والبرد والرائحة ، لا أن جوهرا داخلها ، إما استحالة إلى صبغ حقيقي وإما استحالة إلى صبغ خيالي ، أعنى بالخيالى كما ترى على سطح الماء شبح شئ ملقى فيه غير محاذ للبصر ، وكما يتخيل من الماء أنه على لون إنائه ، وذلك مما إذا كثر وعم أرى جميع وجه الماء بذلك الصبغ وهو فيه قليل .
فإن كان هذا الانصباغ على مقتضى القسم الآخر « 2 » فلا منفعة لهذا
هامش
( 1 ) - في تعليقة نسخة : فهذا في الحقيقة قول بالشبح والانطباع لا غير .
( 2 ) - القسم الأخير ، نسخة . اى القسم الثاني .