يجعل ذلك إلى أهل المشورة .
ويجب أن يكون السان يسنّ أيضا في الأخلاق والعادات سننا تدعو إلى العدالة التي هي الوساطة ، والوساطة تطلب في الأخلاق والعادات بجهتين :
فأما ما فيها من كسر غلبه القوى ، فلأجل زكاء النفس خاصة ، واستفادتها الهيئة الاستعلائية ، وأن يكون تخلصها من البدن تخلصا نقيّا .
واما ما فيها من استعمال هذه القوى فلمصالح دنيوية ، وأما استعمال اللذات فلبقاء البدن والنسل ، وأما الشجاعة فلبقاء المدينة .
والرذائل الإفراطية تجتنب لضررها في المصالح الإنسانية ، والتفريطية لضررها في المدينة . والحكمة الفضيلة التي هي ثالثة العفة والشجاعة فليس يعنى بها الحكمة النظرية ؛ فإنها لا يكلف فيها التوسط البتة ، بل الحكمة العملية التي في الأفعال الدنياوية والتصرفات الدينوية ؛ فإن الإمعان في تعريفها والحرص على التفنن في توجيه الفوائد من كل وجه منها ، واجتناب أسباب المضار من كل وجه ، حتى يتبع ذلك وصول أضداد ما يطلبه لنفسه إلى شركائه ، أو يشغله عن اكتساب الفضائل الأخرى ، فهو الجربزة ، وجعل اليد مغلولة إلى العنق هو إضاعة من الإنسان نفسه وعمره وآلة صلاحه وبقائه إلى وقت استكماله ؛ ولأن الدواعي شهوانية ؛ وغضبية ، وتدبيرية . فالفضائل ثلاثة : هيئة التوسط في الشهوانية مثل لذة المنكوح والمطعوم والملبوس والراحة وغير ذلك من اللذات الحسية والوهميّة ، وهيئة التوسط في الغضبيات كلها مثل الخوف والغضب والغم والأنفة والحقد والحسد وغير ذلك ، وهيئة التوسط في التدبيرية . ورؤوس هذه الفضائل عفة وحكمة وشجاعة ، ومجموعها العدالة ، وهي خارجة
الإلهيات من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى ) — صفحة 507
مساهمون: أبو علي سينا
ص٥٠٧