فقد بان ووضح أن للأفلاك مبادئ غير جرمانية ، وغير صور الأجرام .
وأن كل فلك يختص بمبدأ منها ، والجميع يشترك في مبدأ واحد .
ومما لا نشكّ « 1 » فيه أن ههنا عقولا بسيطة مفارقة ، تحدث مع حدوث أبدان الناس ، ولا تفسد بل تبقى . وقد تبين ذلك في العلوم الطبيعية « 2 » ، وليست صادرة عن العلة الأولى ؛ لأنها كثيرة مع وحدة النوع ، ولأنها حادثة فهي إذن معلولات الأولى بتوسط « 3 » .
ولا يجوز أن تكون العلل الفاعلية المتوسطة بين الأولى وبينها دونها في المرتبة ، فلا تكون عقولا بسيطة ومفارقة ، فإن العلل المعطية للوجود أكمل وجودا ، أما القابلة للوجود فقد تكون أخس وجودا ، فيجب إذن أن يكون المعلول الأول عقلا واحدا بالذات ، ولا يجوز أيضا أن تكون عنه كثرة متفقة النوع ، وذلك لأن المعاني المتكثرة التي فيه ، وبها يمكن وجود الكثرة فيه إن كانت مختلفة الحقائق كان ما يقتضيه كل واحد منها شيئا غير ما يقتضى الآخر في النوع . فلم يلزم كل واحد منها ما يلزم الآخر بل طبيعة أخرى . وإن كانت متفقة الحقائق فبماذا تخالفت وتكثرت ولا انقسام مادة هناك ؟ فإذن المعلول
هامش
( 1 ) - « لا شك » خ . ل . قال في الفصل الثالث من المقالة الخامسة من نفس « الشفاء » ص 306 .
بتصحيحنا وتعليقنا عليه : « ونقول : إنّ الأنفس الإنسانية لم تكن قائمة مفارقة للأبدان ثم حصلت في البدن » . وقد تصدّى هناك لإثبات أنّ النفس حادثة بحدوث البدن ، فراجع .
وقال صدر المتألهين في الفصل السابع والعشرين من الطرف الأوّل من المسلك الخامس من « الأسفار » ج 1 ، ص 308 : « النفس الإنسانية عند الشيخ مجرّدة عن المادة في أول الفطرة » .
( 2 ) - الشفاء ، ج 1 ، ص 352 ، ط 1 .
( 3 ) - أي العلة الأولى ، وفي بعض النسخ : « الأول » مكان « الأولى » أي الأول تعالى ، وكذا الأولى التالية .