ولكن يجب أن يعلم أن العدم يقال على وجوه : فيقال لما من شأنه أن يكون لموجود ما وليس له ، لأنه ليس من شأنه أن يكون له ، وإن كان من شأنه أن يوجد لأمر ما كالبصر فإنه من شأنه أن يكون لشئ ما ، ولكن الحائط ليس من شأنه أن يكون البصر له . ويقال لما من شأنه أن يكون لجنس الشئ وليس للشئ ولا من شأنه أن يكون له كان « 1 » جنسا قريبا أو بعيدا . ويقال لما من شأنه أن يكون لنوع الشئ وليس من شأنه أن يكون لشخصه كالأنوثة .
ويقال لما من شأنه أن يكون للشئ وليس له مطلقا أو في وقته أو لأن وقته لم يجئ كالمرد أو لأن وقته قد فات كالدرد . والضرب الأول يطابق السالبة مطابقة شديدة وأما الوجوه الأخرى فتخالفها ، ويقال عدم لكل فقد بالقسر ، ويقال عدم لما يكون قد فقد الشئ « 2 » لا بتمامه ، فإن الأعور لا يقال له أعمى ولا أيضا هو بصير مطلق لكن هذا إنما يكون بالقياس إلى الموضوع البعيد أعنى الإنسان لا العين .
ثم إن العدم يحمل عليه السلب ولا ينعكس . وأما العدم فلا يحمل على الضد لأنه : ليس المرارة عدم الحلاوة ، بل هو شئ آخر مع عدم الحلاوة ، فإن العدم وحده قد يكون في المادة وقد يكون مصاحبا لذات توجب في المادة عدم ذات أخرى أو لا يكون إلّا مع العدم . وهذه هي الأضداد ، وليس السبب في تقابلها تغاير الأجناس فقد بينا ذلك ، بل السبب في ذلك أن ذواتها في حد أنفسها وحد فصولها تتمانع عن الاجتماع وتتفاسد ، وإذ ليس شئ من الأجناس العالية بمتضادة فيجب أن تكون الأضداد الحقيقية
هامش
( 1 ) - أي أعمّ من أن يكون ذلك الجنس قريبا أو بعيدا .
( 2 ) - في بعض النسخ : « فقد الشيء بتمامه » ومآلهما واحد ، فتبصّر .