علة متقدمة وهي بالحقيقة معلولة العلل كلها ؟
ومما يليق أن نتكلم فيه بعد حل هذه الشبهة أنه هل الغاية والخير شئ واحد أم مختلف ؟ وأيضا ما الفرق بين الجود والخيرية ؟
فنقول الآن : أما الشك الأول المنسوب إلى الاتفاق والعبث فنحله ونقول : أما حال الاتفاق وأنه غاية ما فقد فرغ منه في الطبيعيات .
وأما بيان أمر العبث فيجب أن نعرف أن كل حركة إرادية فلها مبدأ قريب ، ومبدأ بعيد ، ومبدأ أبعد . فالمبدأ القريب هو القوة المحركة في عضلة العضو ، والمبدأ الذي يليه هو الإجماع « 1 » من القوة الشوقية ، والأبعد من ذلك هو التخيل أو التفكر . فإذا ارتسم في التخيل أو في الفكر النطقي « 2 » صورة ما ، فتحركت القوة الشوقية إلى الإجماع خدمتها القوة المحركة التي في الأعضاء ، فربما كانت الصورة المرتسمة في التخيل أو الفكر هي نفس الغاية التي تنتهى إليها الحركة وربما كانت شيئا غير ذلك إلّا أنه لا يتوصل إليه إلّا بالحركة إلى ما تنتهى إليه الحركة ، أو تدوم عليه الحركة « 3 » .
مثال الأول : أن الإنسان ربما ضجر عن المقام في موضع ما ، وتخيل في نفسه صورة موضع آخر فاشتاق إلى المقام فيه فتحرك نحوه وانتهت حركته إليه ، فكان « 4 » متشوّقه نفس ما انتهى إليه تحريك القوى المحركة للعضلة .
ومثال الثاني : أن الإنسان قد يتخيل في نفسه صورة لقائه لصديق له فيشتاقه فيتحرّك إلى المكان الذي يقدّر مصادفته فيه ، فتنتهى حركته إلى ذلك
هامش
( 1 ) - الإجماع هو العزم على التحصيل .
( 2 ) - من الأمور الكلية ، كما أنّ ما ترتسم في التخيّل من الأمور الجزئية .
( 3 ) - كالفلك .
( 4 ) - فالصورة المرتسمة عين الغاية .