وإذا قلنا : إن الكثرة هي التي تعد بالواحد ، يكون قد أخذنا في حد الكثرة الواحد ، ويكون أيضا قد أخذنا في حدها العدّ والتقدير ، وذلك أنما يفهم بالكثرة أيضا .
فما أعسر علينا أن نقول في هذا الباب شيئا يعتد به ، لكنه يشبه أن تكون الكثرة أيضا أعرف عند تخيّلنا ، والوحدة أعرف عند عقولنا .
ويشبه أن تكون الوحدة والكثرة من الأمور التي نتصورها بدّيا ، لكن الكثرة نتخيلها أولا ، والوحدة نعقلها اوّلا والوحدة نعقلها من غير مبدأ لتصورها عقلي ، بل إن كان ولا بد فخيالى .
ثم يكون تعريفنا الكثرة بالوحدة تعريفا عقليا ، وهنالك نأخذ الوحدة متصورة بذاتها ومن أوائل التصور ، ويكون تعريفنا الوحدة بالكثرة تنبيها نستعمل فيه المذهب الخيالي لنومئ إلى معقول عندنا لا نتصوره حاضرا في الذهن .
فإذا قالوا : إن الوحدة هي الشئ الذي ليس فيه كثرة دلّوا على أن المراد بهذه اللفظة الشئ المعقول عندنا بديّا الذي يقابل هذا الآخر أوليس هو فينبّه عليه بسلب هذا عنه .
والعجب ممن يحدّ العدد فيقول : إن العدد كثرة مؤلفة من وحدات أو من آحاد ، والكثرة نفس العدد ، ليس كالجنس للعدد ، وحقيقة الكثرة أنها مؤلفة من وحدات . فقولهم : إن الكثرة مؤلفة من وحدات ، كقولهم : إن الكثرة كثرة . فإن الكثرة ليست إلّا اسما للمؤلف من الوحدات .
فإن قال قائل : إن الكثرة قد تؤلف من أشياء غير الوحدات مثل الناس ، والدواب . فنقول : إنه كما أن هذه الأشياء ليست وحدات ، بل أشياء موضوعة للوحدات ، كذلك أيضا ليست هي بكثرة ، بل أشياء موضوعة
الإلهيات من كتاب الشفاء ( تحقيق حسن زاده آملى ) — صفحة 113
مساهمون: أبو علي سينا
ص١١٣