تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضياء الخافقين — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
أهل الجبل الأسود لا يذكرون المسلم إلّاو في صدرهم نار تتأجَّجُ غيظاً وحنقاً وكان البلغاريون ينظرون إليهم نظرة تشف عمّا يخالجهم من الضغينة والحقد ، أمّا الآن فقد تغيّر كل ذلك عندما تذكر أهل الصرب أن قد مرّت عليهم خمسة قرون متوالية وهم تحت ولاية الأتراك ولم يروا في بحر تلك المدة ما يمس معتقدهم أو مذهبهم أو حرّيتهم المدنيّة أو شيئاً من أشيائهم ، وقد ثبت لهم بالاختبار أن التركي إنما هو محب للوطن عفيف الذيل مستقيم المشرب حافظ للعهد وقد كانوا ينظرون إليه أيّام توليه عليهم كعدّو عاد ، أمّا الآن فقد شاهدوا فيه جاراً ودوداً وصديقاً مخلصاً وقد عرفوا تمام المعرفة أن بقاء حرّيتهم موقوف على بقاء سلطان الأتراك في الأستانة فإذا فُقِدَ هذا هلكت تلك ، وهذا القول يعم كلّ الأقسام البلقانية غير محصور في واحد منها ويثبت ذلك ما يجيء في الجرائد الصربيّة من تحببها إلى الأتراك وتشببها بأيّامهم الغابرة ، وإذا نظرنا إلى الجبل الأسود أيام كان أهله تحت الرعاية العثمانية رأينا هم إذ ذاك يتعوذون باللَّه من الأتراك ويرجمونهم بكل عيب ومظنة ، فبعد إبرام المؤتمر البرليني بمدة توجه أمير الجبل الأسود نيقيطا إلى زيارة الأستانة محيياً جنود الأتراك على بسالتهم شاكراً من همّة ودراية جلالة السلطان حتى إنه تطرق إلى عرض رئاسة التحالف البلقاني على جلالته عندما يحين وقت الإذن بانعقاد هذا التحالف . فهلا في ذلك دليل على تقدير هذا الأمير سلامة طوية الأتراك حق قدرها . ومن تطلع إلى بلغاريا رأى أن روسيا قد بذلت ما في الوسع لتشق هذه الولاية والروملي عن حماية تركيا فبعد أن تسنّى لها ذلك حسبت أن عملها هذا يوجب لها حق السيادة على بلغاريا . ولأمر عريق في الغرابة أن نرى قوماً سمعوا في تخليص قوم من يد عدوّهم كما زعموا فنزعوا ثمة إلى استرقاق ذلك القوم وجعله تحت نير مشيئتهم ولهذا السبب نرى بلغاريا مجدة في تخليص حريتها من مخالب الروس . إنما إذا رأينا بلغاريا حتى الآن لا تزال في استقلالها عن روسيا فليس هذا بناتج عن مدافعة التحالف الثلاثي أو إنجلترا عنها بل هو ناتج عن دراية وهمّة السلطان عبد الحميد الثاني الناظر بعين الرأفة والعدل إلى هؤلاء القوم وقد علم أهل البلقان قاطبة أنّ في دوام عرشه وسلطانه دوام حريّتهم وهوالناظر إلى تأييد استقلالهم
ضياء الخافقين — صفحة 206 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني