سأتحدث عن نوايا انكلترا إزاء هذه المسألة الخطيرة ، وعن الربح الذي يأمل بتحقيقه الاشخاص الطامعون بالخديوية . لكنني سأكتفي الآن بتلخيص بعض الاحداث التاريخية التي هي من طبيعة تهم الجمهور وترشده حول المهدي ، حول قوته لدى المسلمين ، وحول طرائق المسلمين في الاعتقاد به ، الأسباب التي إلى هذه المعتقدات والاحداث ذات الطبيعة المشابهة والتي حصلت في الماضي ، وأخيرا سأتحدث عما ينتظره الاسلام حاليا من المهدي . المهدى - كلمة عربية معناها : الملهم من الله لاتباع الصراط المستقيم - وهو ليس بنبي كما تزعم بعض الصحف ؛ ولايحظى المهدي لدى المسلمين الا باعتباره واحدا من أبناء الرسول العظيم ، تقي ، ورع ، تبعا للصراط الذي رسمه جده محمد ، ويلتزم بالمذهب الاسلامي بأمانة . مهمته الإلهية تقوم على الغاء البدع ، والمناداة بالعدالة ، وإقامة المساواة بين كل المؤمنين وبنشر اسم الاسلام ، وجعله متصلا في كل انحاء المعمورة . ويعبّر عنالمهدي بالعربية بعبارة « قائم آل محمد » وهذا معناه : هو الشخص الذي من بين المنحدرين من النبي الكبير ، سوف ينهض لدعم الايمان الاسلامي . والاعتقاد بمجي المهدى منتشر في كل الاصقاع الاسلامية دون اي تمييز بين الفرق . وهذا الاعتقاد راسخ لدى الشعوب الاسلامية إلى حد انه مستمر منذ القرن الأول للهجرة . الطبري وابن الأثير ، المؤرخان الأكثر شهرة واحتراما لدى المسلمين ذكرا في كتاباتهما ان المؤمنين خلال منتصف القرن الأول للهجرة كانوا يقولون عن عمر بن عبد العزيز نسيب النبي واحد خلفاء بني أمية الأكثر عدالة ، بأنه إذا لم يكن المهدي المنتظر ، فإنه لن يكون سوى يسوع ابن مريم الذي سيخرج قبل نهاية العالم . ان انتظار مجىء المهدي يتزايد كليا عند المسلمين ، في كل المرات التي يجدون فيها أنفسهم في ضيق ، أو يرون انهم مهددون في دينهم أو واقعون تحت سيطرة قوة أجنبية ، وحيث يشبهون رجلا ضالا في ليلة حالكة الظلام وسط صحراء شاسعة ، منتظرا بفارغ الصبر ظهور نجمة تقوده . هذه المعتقدات مبنية على آيات وعلى أحاديث لاتمس وشديدة الاحترام ،
الرسائل والمقالات — صفحة 31
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣١