صفقة خاسرة
كتب إلينا صديق فاضل من أخلص المؤمنين بالقطر المصري قال : إن مأموري الإنجليز الآخذين بزمام بعض الوظائف المصرية لا يزالون يسعون في تغرير الأهالي والتحيل عليهم ودس الدسائس بينهم بطريق مختلفة من الترغيب والترهيب ، كل ذلك ليرضوهم بطلب الحماية الإنجليزية ، إلا أن أولئك الأبالسة لا يلاقون في سعيهم إلا خيبة لأن العلماء وأعيان البلاد قد أحاطوا بغايات الإنجليز ومقاصدهم وعلموا أنهم لا يقصدون بالبلاد إلا الشر كما لم ينلها من حلولهم إلا الضر خصوصًا وأن روح الحمية والغيرة الدينية والوطنية صار لها السلطان الأعظم على نفوس أهالي القطر المصري فاشتدت أنفتهم من تسلط الإنجليز في ديارهم وقاموا مطالبهم بعزائم ثابتة وقلوب غير واجفة وهذا هو ظننا بل يقيننا في أبناء القطر المصري ، علمائهم وأمرائهم وحكامهم وأعيانهم وأوساطهم بل وسائر طبقاتهم أن لا تسمح نفس واحد منهم بمجاراة الإنجليز رغبتهم وأن لا يطمئن قلبه بالدخول تحت سيادتهم ، بل ببقاء شخص منهم في بلاده وعلى مرمى نظره ، فإن وجد بينهم شخص يتخذ إلهه هواه ويميل مع الباطل فهو ممن يعرف المصريون سيرته في إفناء ليله وأطراف نهاره فلا يثقون به ، ومما أخبر به الصادق أن كليفور لويد يجتهد لتسليم رئاسات البلاد إلى أناس من طبقة يتوهم فيها سقوط الهمة وسخافة الرأي ليتمكن بهم من إجراء بعض مقاصده ، لكن لم يتسن له نجاح ولئن نجح في تحويل الرئاسات من نصابها فلا يلاقي ممن يسلمونها إلا مثل ما لاقى من غيرهم ، فإن الجميع مصريون يفضلون ظلم أبناء وطنهم على عدل الأجنبي ، فكيف لو كان الأجنبي لا يقاس بظلمه ظلم ، ثم قال صديقنا الفاضل : زاد الويل أضعافًا على الأهالي بالمجالس المحلية ، فإن الإنجليز لم يراعوا في تشكيلها مصلحة الرعية وإنما وضعوا في جوهرها ما يضيق عليها سبل المعاملة إخمادًا لنفوسها لينالوا حظهم من السيادة عليها ولم يعلموا أن بخس الحقوق من أشد موجبات العقوق ، وفي الأمثال