إما تقدير الإيراد والمنصرف بمبالغ محدودة وتخصيص شيء معين من الإيراد لوفاء فائدة الدين مع تخفيض الفائدة مثلًا ثم يوضع قانون تمضي عليه الدول كما فعل قانون التصفية وهذا مما لا يتصوره العقل فإن عساكر الحلول الإنجليزية لم تزل في أرض مصر ومصاريفها على الخزينة المصرية ، ولم يعلم أجل إقامتها ولا مبلغ عددها ، والفتن قائمة في الجهات السودانية والحكومة المصرية مكلفة بتوقيفها عند حد لا يخل براحة البلاد ولهذا العمل مصاريف ونفقات لا يمكن تحديدها ولا تقديرها ، فكيف يمكن للوصول إلى تعيين النفقات وإحصائها على وجه منضبط والاضطراب الداخلي والاختلال المتفشي في الإدارات ودوائر الحكومة العليا والدنيا الذي حدث بتخلل الإنجليز فيها وقف حركة الأعمال النافعة من زراعة وتجارة وصناعة فكيف يمكن ضبط الإيراد على نمط يعرف ويؤلف فلم يكن غرض إنجلترا من الدعوة إلى المؤتمر أن يصل إلى مثل هذه الغاية التي لا أهمية لها مع بعدها . الأمر الثاني أن ينساق البحث في المسائل المالية والنظر في الإيراد والمنصرف إلى ما يلزم لاستقرار الراحة في مصر من العساكر وتطلبه من النفقات وما يستدعيه إطفاء فتنة السودان وما تحتاج إليه المحاكم الجديدة وغير ذلك مما تعرضه إنجلترا وتبين للدول أن مالية مصر ليس في طاقتها أن تفي بجميع هذه النفقات الواسعة ولو كلفت بأداء بعضها فضلًا عن كلها لحق الضرر بأرباب الديون فأحسن وسيلة للتخفيف عن المالية المصرية مع حفظ الحقوق لأربابها أن تكون الديون المصرية تحت ضمانة إنجلترا وهي تؤدى فوائدها في أزمانها . تطلب من الدول بعد هذا أن تفوض إليها التصرف في الأقطار المصرية ، وتأخذ التبعة على نفسها في بذل الأموال وقتل الأرواح ، وهذا الذي يمكن أن تفعله إنجلترا بعد عجزها وربما مست حقوق الدولة العثمانية في مطالبها هذه ، إلا أن التلغرافات نقلت إلينا ما يتحدث به في الدوائر السياسية بالأستانة وهو أن الدولة العثمانية ستشترط لقبول انتظامها في المؤتمر شروطًا صعبة يعز على إنجلترا قبولها لينكشف الستار عن مقاصدها في مصر . ومن جملة تلك الشروط أن تستبدل العساكر الإنجليزية ، المحتلة في مصر بعساكر عثمانية لأن نفقات الجيوش العثمانية أقل من نفقات الجيوش الإنجليزية وهذا هو ما يؤمل في الدولة
العروة الوثقى — صفحة 319
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٣١٩