تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
محمد أحمد ومنعته ويأس الدولة البريطانية عن ملافاة أمره وأن نيتها الاقتصار على التحصن فيما دون حدود مصر الطبيعية بل على الحلول في مصر السفلى حتى تحفظ القنال ، وتتصرف في أراضيها الخصبة ، وتقف على أبواب التجارة ، ترقب حركات المارة ، وتشيّع الذاهبين والآيبين ما بين الشرق والغرب ، وتقنع بالتحكم في بعض الضعفاء من المصريين ، وإنا لا نعلم ماذا تكون العاقبة إذا أصبح السودان بأسره في حوزة محمد أحمد واعتصم في قاعدة تلك الأقطار الشاسعة ، ولا عاصم له إلا بالإيغال في سيره وبثّ دعوته بين جميع القبائل العربية ، بما يستطيع من الحيل أو القوة . أفلا ينتهي بعد هذا إلى سوق جيوشه الكثيفة إلى حدود مصر العليا ؟ ! ربما ، بل يغلب على الظن أنه يفعل ذلك ، فإن لم يفعل فهي شعلة الثورة تسري بطبعها وتضطره إلى اقتفاء أثرها . جاءت الأخبار من أيام قطع الثائرين لخطوط التلغراف بين أسوان وكورسكو ، وأين كورسكو من أسوان ؟ ! هي على مقربة منها والمسافة بينهما كما بين قنا وأسوان . وفي أخبار أخرى أن للهيجان والتحرش للخروج أثرًا ظاهراً في أطراف مصر العليا فإذا قدر اللَّه وصارت حدود مصر العليا معارًا للحركات الحربية وهو مما لا تعده الحوادث فهل يبقى المصريون وقبائل العربان في الفيوم والبحرية والشرقية وجميع أنحاء القطر المصري على سكونهم بعد ما رأوا من ضعف الإنجليز وعجزهم ما رأوا وبعد ما يشهدون سيلًا قويا ماؤه من مائهم ينصب إليهم ، وبعد ما حرجت صدورهم وضاقوا ذرعًا من تصرف الإنجليز في حكومتهم ، يغلب على الظن أن مالهم من سرعة الاعتقاد بالظافر خصوصًا إن كان قائمًا بدعوة دينية وما ضاقت به صدورهم من الاستبداد الإنجليزي وما ذاقوه من آلام الفقر والفاقة والذل والهوان من نحو سنتين وما يتوقعونه من رزايا دينهم ودنياهم في المستقبل إذا رسخت قدم الإنجليز في مصر كل هذا يبعثهم على تقبّل دعوة الداعي بقبول حسن وانحيازهم إليه . إذا جاء هذا الوقت وهو ليس ببعيد فربما تجد إنجلترا في مصر أفغاناً أخري وتخشى من ظهور عجزها فتوارى خلف بعض من الحيل والتعللات وتستدعي من المسلمين من يكون قوي الشكيمة شديد البأس ، لتقرير السلم وتمكين الراحة ، وتعود إلى جزائرها راضية من السلامة بالإياب ، ولعل ذلك غير بعيد عن العقل ، وإلى اللَّه المآب .