تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروة الوثقى — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
الفرنسية أن وقوع الخرطوم في قبضة محمد أحمد يكون له رجة هائلة وأثر عظيم في تغيير الأحوال الحاضرة في البلاد الشرقية . نعم إذا حل محمد أحمد في الخرطوم سهل عليه جمع كلمة القبائل النازلة ما بين الخرطوم وأسوان وتتصل أطراف جيشه ببلاد مصر العليا ولا يعدمون من العرب في جهات الصعيد بل وفي الدلتا من يلتحق بهم وتكون الطامة الكبرى ، يغلب على ظننا أن هذه النار ليست مما يطفئه رذاذ السياسة الإنجليزية ، ولا مما تخمده حركات عساكرها البطيئة ، خصوصًا وقد وقع الخلاف بين حكومة بريطانيا وبين قواد جيشها في سواحل البحر الأحمر ، فمن رأي الحكومة أن تداوم الحرب وتسرع في إنهائها ومن رأي الأميرال هفت توقيف الحرب إلى شهر أكتوبر ( بعد ستة أشهر ) لئلا تهلك العساكر من الحر ، وأن في ستة أشهر لسعة لما لا يهجس الآن في خاطر أحد . فلو وكل الأمر في تسكين الثورة وحسم الفتن إلى القوة الإنجليزية وبروقها الخلب لم نكد نفكر فيما يكون منها حتى تلتهب النيران في أنحاء أخرى ويصعب على أرباب الشأن فيما بعد ذلك تداركها وليس لكشف هذه الخطوب إلا عزائم المسلمين ، يلقي إليهم زمام العمل فيها خالصًا من المداخلات الأجنبية التي توغر الصدور وتثير الأحقاد . وأحست الجرائد الفرنسية بما في نية إنجلترا أن تفعله من التصرف في الأراضي المصرية ومنها جريدة ( الريببليك فرانسيز ) وجريدة ( الديبا ) وغيرهما ، فطلبت من الحكومة الفرنسية أن تحل بعساكرها في جزيرة ديسي المتسلطة على سواحل البحر الأحمر مما يلي مصوع محتجة على ذلك بقولها إن صح ما ادعاه وزير حربية إنجلترا من كون شطوط البحر الأحمر تعد من طريق الهند فلنا أن نقول إنها أيضًا طريق تونكين وكوشنشين ومدغشقر ، بل إن الحلول في تلك الجزيرة من أهم الضروريات لمراقبة منع التجارة في العبيد كما تقضي به المعاهدة بيننا وبين إنجلترا . هذا بعض ما أنتجته سياسة جلادستون في مصر وربما يسكن روع أمته ويخفف انزعاجها من هذه المباراة الجديدة بينها وبين فرنسا على سواحل البحر الأحمر بتذكار ما أعقبته المباراة بين الأمتين في الهند من أزمان ماضية ، ولكن شتان بين الزمانين فتلك أوقات كانت سياسة إنجلترا خافية على أهالي الهند وكانوا ينخدعون لها ، أما اليوم فلم يبق فيها خفاء على أحد من سكان الممالك الشرقية ، ولعل الغيب يوافينا عن قريب بما يكون لفرنسا مع إنجلترا في هذه المسائل . وإلى اللَّه المصير .