يطلب المعين ويخاف العادي وكلما فرح لنبأ رمي بسهمه من الجزع لا يدري أصاب خصمًا أو قتل منجدًا . إن دولة عظيمة كان لها من القوة ما اعترف به دول العالم أجمع ، ولها من الحقوق في مصر ما لا ينازعها فيه أحد ، ترى رجالها اليوم يهتزون لدهدهة الرعود الإنجليزية ، وإن كان سحابها جهامًا ، ويفزعون من هزيم تلك الأصوات فيحارون ماذا يفعلون ، وربما يأتون ما لا يريدون . ادعت دولة واسعة المطامع أنها نائبة عنهم في إصلاح الأقطار المصرية وإنقاذها من الاختلال ، فتبوأتها بقواها العسكرية وأخذت بزمام الأحكام فيها ، تعزل وتولي ، وتعطي وتمنع ، وتعاهد وتنقص ، وتنقض من أطرافها ما أرادت ، وتحل بعساكرها من بقاعها ما شاءت وأصحاب الملك الشرعي شاخصة أبصارهم ، مشرئبة رقابهم ، يبصرون ما لا يسر لهم خاطرًا ، ولا يشرح لهم صدرًا ، مع خفقان في القلب واضطراب في الفؤاد ، والتهاب في الأحشاء ، فزعًا من سوء العقابة ، يحسون بما تقتضيه مواقع الأقطار ، والنسب بين بلد وما يجاوره من البلدان ، وما يلزم لحمايتها من وسائل الدفاع ، فيحكمون بأنه إن دامت الحال على ما يرون ، أصبحت الأقطار السورية والحجازية واليمنية ، على خطر عظيم في زمن قريب أو بعيد ، وأن تاريخ مصر من عهد الفراعنة إلى الآن ، ينادي عليهم نداء الناصح ، بل ينفث فيهم نفثات الحق ، بل يزعجهم إزعاج الحاكم القاهر بأن المحافظة على مصر ، من أهم واجباتهم إن لم يكن لذاتها ، فلما يتسلط عليه موقعها من الأقطار . أما ولاة الأمر من المصريين وأولو الرأي فيهم فقد غشيهم من هذه الدهاة ما أذهلهم ، عن علم حاضرهم ، والفكر في مستقبلهم ، طلبوا لهم عونًا قويا ، وركنوا إليه في دفع ما ظنوه غائلة ، وتوهموه نازلة ، فاستبد بالأمر عليهم ، وسلبهم ما طلبوا المحافظة عليه وهم بين نوم تطيب لهم أوائله ، بما يلين لجنوبهم من الوعود الإنجليزية ، وبين أحلام مدهشة وخيالات مزعجة ، تمثل لهم ما سيصب عليهم من حميم العذاب ، وما يؤخذون به من عذاب الهوان ، وأن قليلًا مما يشهدونه حاضر العنوان ، على كثير مما يراه بعضهم بعيدًا ونراه والعاقلون منهم قريبًا .
العروة الوثقى — صفحة 267
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٦٧