أما الإنجليز ، فليسوا في حل مما كسبوا ولم يهنأ لهم ما طمعوا ، بل دافعتهم الحوادث وطاردتهم إلى مشكلات لم تكن في حسبانهم ، وهم الآن بين أمور ثلاثة لا يتيسر واحدها إلا بما ينفي الآخر وهم يريدونها مجتمعة ولن يقدروا عليه إلا بقدر يأتيهم بما يخرق العادة ويفوق الإمكان ، إنهاء مسألة محمد أحمد ، والوفاء بعهودهم لأوروپا ، وما يضمرونه لأنفسهم في مصر ، ثم هم يتشبثون لكل منها بوسيلة تضارب ما يتمسكون به في الأخرى تارة يظهرون عزمهم على مبارحة مصر جنوحاً إلى الوفاء بالعهد ، لكن يتبعون ما يقولون في ذلك بأن أجل الجلاء غير محدود وتارة تنادي بأن ذمة إنجلترا توجب عليها أن تدخل مصر تحت حمايتها وتتولى إدارتها بصفة سيد حاكم لا مستشار ناصح ، ويشير بل يصرح وزير حربيتهم بأن الضرورة تلجئهم إلى مثل هذا العمل ويعبر عنه أحيانًا باسم الحماية وأخرى بما لا اسم له سواها ، وطورًا يلقبون محمد أحمد أمير كوردفان ويطلبون من الخديو كما روته جريدة ( ميموريال ديبلوماتيك ) أن يكتب لهم صكا بأنه يفوّض الأمر لهم في شأن المدعي ، يتفقون معه كما يريدون وأنه يسمح لهم بإحلال عساكرهم في سواحل البحر الأحمر وأنه لا يتولى ولاية الخرطوم بعد چوردون إلا شيخ يضمن لهم حسن الاتفاق مع محمد أحمد ، فلا الوفاء يروق لهم لمناقضته للغرض ولا الحماية تسهل عليهم لأن دول أوروپا بالمرصاد . وبين هذا يأخذ محمد أحمد ما يهيئه له الإمكان من القوة ويثبت دعوته إلى سائر الأقطار ويجيش الجيوش ويزحف إلى الخرطوم ، وهو اليوم يحاصرها وعلى شرف افتتاحها ومع حرص الحكومة الإنجليزية على كتم الأخبار وتلطيف الإشاعات من جهة الخرطوم ومصر السلفي ( إلى الإسكندرية ) وأن الحكومة الإنجليزية في مخابراتها مع الچنرال چوردون إنما تعتمد على الصدفة في وجود من يقطع البراري إلى عاصمة نوبيا وكورسكو حتى يوصل الخبر إليه وأنه لا علم للحكومة بشيء من أحوال النيل إلا على من خامس عشر الشهر ، ولا تدري ماذا حلَّ بچوردون ، وأثبتت جريدة التايمس أن الچنرال في خطر عظيم ، وزاد الهول عليهم أن عثمان دجمة لم يتزعزع عزمه بما أصابه في الهزيمتين بل لم يزل خصمًا قويا للحكومة الإنجليزية ، ويدل على ذلك أن الچنرال چراهام يتأهب لمنازلته كما ذكرته جريدة التان وفي أهم الجرائد
العروة الوثقى — صفحة 268
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص٢٦٨