تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
وقال المسلم المتفتح المتطلع إلى اللّه المتوجه إليه إنه عليه السلام أراده ورسم له صورته وما يجب أن يكون عليه . . . وعلى كل حال هي صورة فريدة من نوعها يدفعنا الإمام إلى الوقوف أمامها قليلا لعل أحدنا يستفيد منها في اكتساب موقف أو صفاء نفس أو يعيد النظر في سلوكه فيصحح مساره في اتجاهها . . . صورة الإنسان الذي أحيا عقله وحياة العقل بالعلم والمعرفة ، فكر في أمور الدنيا والآخرة ولم يقدم على عمل أو يحجم عنه إلا بعد أن يفكر في عواقبه ويعرف حله من حرامه ونفعه من ضرره فيستعمل عقله في كل حركاته وفي مقابل أحياء عقله أمات نفسه وهي النفس الأمارة بالسوء التي تطالبه باستمرار بالتمرد على الحق والخروج عن العدل . . . هذه النفس قضى عليها بحيث أضحت ميته لا تؤثر على قراره العادل ومنطقه الصادق . . . وهكذا بقي مستمرا حتى دق جليله ولطف غليظه فترى بدنه قد خف ونحف كما قال أمير المؤمنين في خطبة المتقين في وصفهم « أجسامهم نحيفة وحاجاتهم خفيفة » يعيشون في الدنيا من أجل أهدافهم لا من أجل أجسامهم . . . وعندما أحيا عقله وأمات نفسه انكشفت له الأمور ووصل بهذه المجاهدة إلى الهدى وإلى اليقين وأدرك حقائق الأشياء وأسرارها كما قال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ . . . فإن هذا العلم مع العمل به ينكشف أمام الإنسان من خلالهما طريق السعادة وطريق رضى اللّه وانفتحت له الأبواب متتابعة إلى أن يصل إلى باب الجنة من حيث إنه أحرز رضا اللّه ودخل دار الإقامة والسلامة التي هي الجنة وعندها استقر في دار الأمن والراحة التي لا فزع ولا تعب فيها وذلك كله لأنه كان يستعمل عقله ويرضي ربه فحوّل عقله إلى عقل رحماني يطلب به ومن خلاله مرضاة اللّه . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 514 | السيد عباس علي الموسوي