( ثم فطر منه أطباقا ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها فاستمسكت بأمره وقامت على حده ) بيان أنه سبحانه وتعالى خلق من ماء البحر طبقا فوق طبق متصلة فيما بينها ملتحمة ببعضها ثم فصّلها عن بعضها وجعلها سبع سماوات منفصلة بعد الاتصال فاستمسكت فيما بينها بحسب القوانين الكونية من الجاذبية وغيرها فلم يصبها خلل بأمر اللّه وبقيت ثابتة كما أراد سبحانه لها لم تخرج عما رسمه لها وعما وضعها فيه .
وقيل : إن كلامه هذا فيه تلميح إلى قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ .
( وأرسى أرضا يحملها الأخضر المثعنجر والقمقام المسخر قد ذل لأمره وأذعن لهيبته ووقف الجاري منه لخشيته ) خلق اللّه الأرض على البحر - ووصفه بالخضرة كما هو في ظاهر البصر أو كما هي عادة العرب في تسمية البحر بالأخضر لأنه يعكس لون السماء - هذا البحر المملوء بالماء قد سخره اللّه لإرادته وقد ذلك هو لأمر اللّه وأطاعه بلسان الحال من حيث الإمكان وأقرّ بعظمة اللّه وجلاله فكان واقفا كما يرى خوفا من اللّه وخشية منه . . . ( وجبل جلاميدها ونشوز متونها وأطوادها فأرساها في مراسيها وألزمها قراراتها فمضت رؤوسها في الهواء ورست أصولها في الماء فأنهد جبالها عن سهولها ) خلق سبحانه صخور الأرض العظيمة ومرتفعات قممها وجبالها وثبّتها في أماكنها وجعلها مستقرة في محلها المعدّ لها وألزمها أماكنها مستقرة فيها فلا تضطرب أو تتزلزل وجعل أصولها في الماء ورؤوسها شامخة في الهواء وارتفع بذلك ما كان منها من الجبال وبقي ما كان سهلا أي امتازت الجبال عن السهول من حيث ارتفعت الجبال وتسطحت السهول مميزة عنها مفترقة صورة وشكلا وحقيقة . . . ( وأساخ قواعدها في متون أقطارها ومواضع أنصابها فأشهق قلالها وأطال انشازها وجعلها للأرض عمادا وأرزها فيها أوتادا فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها أو تسيخ بحملها أو تزول عن مواضعها ) وهذه الجبال نزلت أصولها في داخل الأرض وجوانبها في المواضع الظاهرة منها فجعل رؤوس جبالها عالية شامخة ومرتفعاتها ممتدة طولا وجعلها للأرض عمادا تستند إليها وتثبت بها وأوتادا تمنعها عن الميدان والفوضى في الحركة فسكنت واستقرت من أن تتزلزل بأهلها أو تغور في الماء بما تحمل وما تحمل أو تختلّ حركتها أو يتغير موقعها وفي ذلك خطر كبير . . . وبعبارة مختصرة جعل اللّه سبحانه هذه الجبال لمصلحة هذه الأرض ومنافعها تمنعها من الاضطراب وهي أوتاد تثبتها فلا تتزلزل . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 474
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٤٧٤