تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
( وإنما هلك من كان قبلكم بطول آمالهم وتغيّب آجالهم حتى نزل بهم الموعود الذي ترد عنه المعذرة وترفع عنه التوبة وتحل معه القارعة والنقمة ) هذه الموعظة للمخاطبين يذكر الماضين وكيف كان هلاكهم وما سببه إنهم هلكوا بطول الآمال وتغيب الموت عن أنظارهم والإنسان إذا طال أمله يطغى ويظلم ويريد أن يحققه ولو على حساب وجود الناس فإذا ذكر الموت والحساب والعقاب ارتدع وكف وأما إذا غيّب الموت عن نظره ونظر بعين الأمل الواسع فإنه يهلك لا محالة لأنه إذا بقي على ذلك ينزل به الموت الذي لا يقبل عذرا وترفع التوبة في لحظات الحياة الأخيرة وتحل المأساة الكبرى والعذاب الدائم المقيم . . . ( أيها الناس إنه من استنصح اللّه وفق ومن اتخذ قوله دليلا هدي « للتي هي أقوم » فإن جار اللّه آمن وعدوه خائف وأنه لا ينبغي لمن عرف عظمة اللّه أن يتعظم فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمته أن يتواضعوا له وسلامة الذين يعلمون ما قدرته أن يستسلموا له ) هذه موعظة للناس وتوجيه لهم نحو سعادتهم وعزتهم فمن طلب النصح من اللّه وفقه اللّه للخير لأن اللّه بيده مفاتيح الهداية ومن اعتمد على قول اللّه واتخذه هاديا له ودليلا فإنه يهدي لأصلح الطرق وأفضلها ومن كان طريقه وفق إرادة اللّه فهو جار للهّ قريب منه وجار اللّه آمن في الدنيا كما هو آمن في الآخرة ففي الدنيا يملك رؤية واضحة حقيقية وهي أن اللّه بيده الأمور وهو مالك للدنيا وما فيها ولا يجري أمر إلا بقضائه وقدره فهو بعين اللّه فتطمئن نفسه ويرتاح قلبه وأما في الآخرة فإنها السعادة الأبدية التي تنتظره . ونبه الحاضرين إلى أمور ولفت نظرهم إليها : 1 - إن من عرف عظمة اللّه وعلوه يجب أن لا يجعل نفسه عظيما ويرتفع عن أوامره وتكاليفه بل إن الإنسان إذا عرف عظمة اللّه فتواضع له ارتفع وعلا فكان سبب علوه تواضعه للهّ وهذا أمر طبيعي لأن التواضع للهّ هو امتثال أمره والاتصال به ومن اتصل باللهّ اتصل بأقوى الأسباب وأمتنها فيستمد منه العظمة في قلوب الناس . 2 - سلامة من يعلمون قدرته حيث يعلمون أنه القوي الشديد الذي لا يقف في وجهه شيء أن يستسلموا له أي يسلموا له فيطيعوا أمره ويتركوا نهيه . ( فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الأجرب والباري من ذي السقم واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه ) بعد أن ردهم إلى اللّه وأمرهم أن يكونوا معه رغبهم في الحق وقال لهم : لا تبتعدوا عن الحق وتهربوا منه كهروب الصحيح
شرح نهج البلاغة — صفحة 448 | السيد عباس علي الموسوي